
تحدث المؤرخ العراقي الدكتور حميد عبد الله في قناته عن مأساة أسرة عراقية مكونة من طبيب وزوجته وابنتين ورضيع ماتت عطشا في الصحراء بين السودان وليبيا بعد أن غادرت العراق سنة 1995 هربا من الحصار وبحثا عن فرصة عمل في ليبيا.
يقول الدكتور حميد في مقدمتة حديثه قبل سرد تفاصيل القصة:
مآسي العراق تتوالى واحدة تلو الأخرى. وكأن قدرا كتب على العراقيين أن يدفعوا فواتير الكوارث: فواتير الحروب، والعقوبات، والفوضى، والاحتلال، والفساد. فواتير لا تنتهي.
ويضيف الدكتور حميد:
كانت سنوات العقوبات التي امتدت من عام 1990 أو 1991 حتى عام 2003 سنوات عجافا وقاسية جدا، وكان أشدها قسوة عام 1995 عندما انخفض الدينار العراقي إلى أدنى قيمة له في تلك السنوات، باع الناس كل شيء. باعوا نوافذ وأبواب منازلهم. كل شيء يملكه العراقي باعه لكي يعيش. بدأ الناس يبحثون عن طرق للسفر لكسب لقمة العيش. سمحت الدولة للناس بالسفر، وكانها تتفضل عليهم، مقابل دفع 400 ألف دينار. ويعود ذلك إلى تخوف الدولة من حدوث انفجار بسبب الجوع. كانت هذه فلسفة الدولة في ذلك الوقت. لذلك سمحت لبعض المواطنين بالمغادرة، ولكن بشروط:ان يدفع المغادر 400 ألف دينار ويقدم معلومات أمنية.
وجهة سفر العراقيين
وعن وجهة سفر العراقيين يقول الدكتور حميد:
لا توجد دولة تسمح للعراقي بالدخول بدون تأشيرة باستثناء ثلاث أو أربع دول: الأردن وسوريا والسودان وليبيا، لكن سوريا ليس فيها فرص عمل، والسفر إليها مغامرة بسبب العداء المتجذر بين نظامي البعث لربع قرن. لذا لا توجد حركة إلى سوريا.
فرص العمل في ليبيا
فرص العمل الأساسية المتاحة كانت في ليبيا، لأن القذافي في ذلك الوقت أصدر توجيهات مكتوبة وقدم كل أنواع الرعاية والدعم للجالية العراقية العاملة في ليبيا. كانت ليبيا دائماً هي الوجهة. ولكن كيف يمكن للعراقي أن يذهب إلى ليبيا؟
هناك ثلاث أو أربع طرق يمكن للعراقي من خلالها دخول ليبيا. إما عن طريق مصر ومصر لم تكن لتمنح تأشيرة للعراقي لأي سبب خلال سنوات العقوبات، أو عن طريق تونس وتونس لم تكن لتمنح تأشيرة للعراقيين، لم يريدوا للعراقيين أن يذهبوا إلى ليبيا، لأن لديهم جالية تعمل في ليبيا، لذلك لم يرغبوا في جالية أخرى تنافس جاليتهم على العمل، أو عن طريق مالطا. ومالطا تمنح فقط تأشيرة عبور (ترانزيت) للعاملين في شركات النفط الليبية بالتنسيق مع تلك الشركات. لم يبق سوى طريق واحد أمام العراقيين الذين ينوون الذهاب إلى ليبيا وهو طريق الموت.
أين؟ عبر الصحراء من السودان إلى ليبيا. وهي صحراء شاسعة تمتد عبر السودان ومصر وليبيا. مساحتها 1.1 مليون كيلومتر مربع. صحراء قاحلة ورملية، هذا يعني أن من يدخل هذه الصحراء ليس لديه موقع أو خريطة أو بوصلة، فسالكو هذا الطريق يمشون على النجوم في الليل. من يتوه في الصحراء ينتهي أمره.
مأساة الطبيب العراقي واسرته
هو طبيب عراقي من البصرة يدعى عباس علي عباس الخفاجي، وزوجته معلمة تدعى ناهدة صغير مونس. ضاقت به سبل الحياة في عام 1995، فباع كل شيء. أخذ المال الذي حصل عليه من بيع هذه الأشياء وقرر الهجرة. سافر إلى عمان واستقل طائرة إلى الخرطوم، ومن الخرطوم استقل سيارة إلى مدينة أم درمان. في أم درمان، هناك سيارات تنقل الركاب إلى مدينة تسمى دنقلا. هذه المدينة هي عاصمة شمال السودان. تقع على الضفة الغربية لنهر النيل وتبعد 530 ميلا عن الخرطوم.
في دنقلا، يتجمع الناس ويحتشدون حتى تأخذهم الشاحنات أو سيارات النقل (اللوريات) لعبور الصحراء. خيّم هذا الطبيب ليومين أو أكثر في دنقلا هو ومجموعة من السودانيين، في انتظار مغادرة شاحنة أو لوري واخذوا معهم بعض علب الماء وعلى بعد 500 ميل، توجد نقطة تفتيش أخرى للقوافل تسمى كرب التوم. في كرب التوم، يتحققون مما إذا كانت الجوازات مختومة أم لا، ثم يسمحون لهم بالذهاب ليدخلوا الأراضي الليبية. وأول مدينة في ليبيا لمن يسلك هذا الطريق هي مدينة الكفرة.
الرحلة الى ليبيا
غادرت المجموعة، وعادة، تغادر عدة سيارات معا من أجل السلامة، لكن هذا الطبيب صعد مع مجموعة من السودانيين، وغادروا في سيارة واحدة. قال السائق: "سأوصلكم". وقبل أن يقطعوا المسافة إلى كرب التوم، تعطلت هذه الشاحنة. وبدأوا يشربون الماء ليوم أو يومين، حتى نفد الماء.
فبدأوا يموتون واحداً تلو الآخر. مات السائق ومات عدد من السودانيين
عائلة الطبيب
كان معه، زوجته وابنتان. إحداهما في الثامنة من عمرها، والأخرى في الخامسة ورضيع يبلغ من العمر عاماً واحداً.
كتب الطبيب قبل أن يموت ورقة أعطاها لزوجته، كتب فيها: "بلادي وإن جارت علي عزيزة .. وأهلي وإن ضنوا علي كرام". ثم مات. وقبله ماتت ابنتاه امامه. بعد ذلك ماتت الزوجة وبقي الرضيع الذي وجد وهو يرضع من ثدي أمه وهي ميتة.
كيف اكتشفت المأساة ومن روى القصة؟
كان الضباط السودانيون المتمركزون في هذا المركز في كرب التوم، عندما ينزلون إلى الخرطوم يستقلون طائرة مروحية. ينزلون بالمروحية. لذلك، كان ضابطان في دورية تناوب في طريق العودة فرأيا في طريقهم شاحنة متوقفة، وبها جثث. ورأيا الناجيين المتبقين يقفان قرب الشاحنة فهبط الطيار. ثم نقل الناجيين السودانيين؛ أحدهما يُدعى آدم السرور عوض ونقلوا معهما الطفل العراقي واسمه حسين علي عباس الخفاجي. نقلوه إلى المستشفى. وروى السودانيان الناجيان القصة بأكملها.
نقل الطفل العراقي إلى المستشفى؛ وجاءت السفارة العراقية، وجاء رئيس محطة المخابرات العراقية في الخرطوم، وجاء الرئيس السوداني عمر البشير ولما رأى الطفل بكى، وامتلأت عيناه بالدموع وقال: "مساكين أهل العراق، يموتون في الحروب وتحت الحصار، وفي الصحراء، كالمستجير من الرمضاء بالنار؛ هذا هو حال العراقيين." وتعهدت السفارة العراقية بنقل الطفل إلى العراق، إلى البصرة، وسلمته إلى عمه.
القذافي يكرم والدي الطفل
اتصل عمر البشير بالقذافي وشرح له الحادثة؛ فأصدر القذافي مرسوماً يقضي بمنح الطبيب وزوجته عقدا براتب كامل لمدة عام، رغم وفاتهما.
صدام يامر بتسجيل قطعة ارض باسم هذا الطفل العراقي
وصلت القضية إلى صدام حسين فقال: تسجل قطعة أرض باسم هذا الطفل ويُمنح مبلغا من المال ويتولى عمه تربيته.
وقعت المأساة في سبتمبر 1995 وحسين يبلغ الآن حوالي 31 عاماً، أين هو؟ لا أعرف يقول الدكتور حميد.
ويتساءل الدكتور حميد
من يتحمل مسؤولية موت هذه العائلة؟
ماتت عشرات، بل مئات العائلات بسبب الحصار. لكن هذه الحالة الاستثنائية، هذه الكارثة التي لها بعد إنساني كبير، من يتحمل مسؤوليتها؟ الحكومة العراقية؟ أمريكا التي فرضت الحصار؟ الدول التي لا تمنح تأشيرات للعراقيين؟ الصحراء؟ الوضع؟ . من هو الجاني؟ إنه سؤال منطقي. من هو الجاني بحق هذه العائلة؟ من كان السبب في دفع هذا الطبيب ليجبر على البحث عن طريقة لكسب لقمة العيش لإعالة أسرته؟ من؟ .
مائة عراقي ماتوا في هذا الطريق
ثم يبين الدكتور حميد ان مأساة هذه العائلة ليست حالة منفردة.
هذه العائلة هي نموذج للعائلات العراقية التي مرت بمآس خلال تلك الفترة ويذكر ان المعلومات في ملفات المخابرات تشير ا إلى أن 100 عراقي ماتوا في الصحراء بهذه الطريقة، كانوا يتجهون أيضاً إلى ليبيا عبر السودان، وابتلعتهم الصحراء. البعض يضيع؛ يخطئ السائق الطريق فيضيعون. البعض تعرضت سياراتهم لأعطال، تماماً كما حدث مع هذه العائلة.
ملاحظة: نقلت القصة من قناة حميد عبد الله ببعض التصرف والاختصار..



.jpeg)

.jpeg)