
كشف تحقيق استقصائي دولي عن معطيات جديدة بشأن أنشطة السفن الأجنبية المرتبطة بصناعة دقيق وزيت السمك في موريتانيا، موثقًا ما لا يقل عن 44 واقعة صيد غير قانوني مشتبه بها، إلى جانب تجاوزات بيئية وشبهات تتعلق بإخفاء مواقع السفن وتفريغ حمولاتها في عرض البحر.
ونشر التحقيق مشروع الصحافة الاستقصائية الأمريكي «The Outlaw Ocean Project»، يوم 9 أكتوبر 2026، ضمن سلسلة دولية بعنوان «الغذاء من أجل الأعلاف»، تناولت سلاسل توريد الأسماك المستخدمة في صناعة أعلاف الاستزراع السمكي حول العالم.
واستند التحقيق إلى سجلات تجارية ووثائق حكومية وبيانات تتبع السفن وتقارير بحثية وشهادات عاملين وناشطين، لرصد أنشطة صناعة دقيق وزيت السمك الموريتانية، التي شهدت توسعًا كبيرًا خلال العقدين الماضيين.
16 مصنعًا في دائرة التحقيق
أظهرت البيانات التي جمعها الفريق الاستقصائي ارتباط ما لا يقل عن 16 مصنعًا موريتانيًا لدقيق وزيت السمك ببلاغات عن مخالفات أو مشكلات بيئية واجتماعية خلال الفترة الممتدة من 2016 إلى 2024.
وشملت الوقائع التي رصدها التحقيق أنشطة صيد غير مستدامة، واستهداف أنواع سمكية تعاني الاستغلال المفرط، ودخول سفن صناعية إلى مناطق مخصصة للصيد التقليدي، فضلًا عن شبهات تجاوز حصص الإنتاج والتلوث الناتج عن أنشطة المصانع.
كما حدد التحقيق ما لا يقل عن خمس وقائع تلوث مشتبه بها، ارتبط بعضها بتصريف مخلفات صناعية على الشواطئ وانبعاث أدخنة أثارت شكاوى صحية لدى السكان المجاورين.
ولا تعني هذه النتائج أن جميع المصانع المذكورة ارتكبت مخالفات مثبتة قضائيًا، وإنما توثق بلاغات ووقائع وشبهات استندت إلى مصادر متعددة.
سفن تختفي من أنظمة التتبع
من أبرز المعطيات التي كشفها التحقيق وجود سفن مرتبطة بمصانع دقيق السمك أوقفت بث مواقعها لفترات طويلة أثناء نشاطها في المياه الموريتانية.
ونقل عن شركة التحليل البحري «Skylight» رصد ثلاث سفن على الأقل انقطع بث أجهزة تحديد مواقعها لأكثر من أسبوع خلال عمليات صيد، في فترة مراجعة امتدت خمس سنوات وانتهت في فبراير 2025.
ومن بينها السفينة «Wafa 5»، التي سجل التحقيق اختفاء إشارات موقعها لأكثر من شهر في إحدى المرات، وكانت مستأجرة من شركة «Omaurci» المرتبطة بمصنع لإنتاج دقيق السمك.
ورغم أن انقطاع إشارات التتبع لا يثبت وحده ممارسة الصيد غير القانوني، فإنه يمثل مؤشرًا يستدعي التحقق، خصوصًا في المناطق التي تخضع لتنظيمات خاصة لحماية الموارد البحرية.
وأشار التحقيق إلى أن الشركة الأم المرتبطة بالسفينة لم تقدم ردًا على طلب التعليق.
أكثر من 4100 يوم من الجر القاعي المحتمل
واستنادًا إلى تحليل أجرته منظمة «Global Fishing Watch»، خلص التحقيق إلى أن أكثر من 12 سفينة مرتبطة بتزويد مصانع دقيق السمك الموريتانية يُرجح أنها مارست الصيد بشباك الجر القاعي لمدة إجمالية تجاوزت 4100 يوم بين عامي 2019 و2024.
ويثير هذا النوع من الصيد مخاوف بيئية بسبب احتكاك الشباك بقاع البحر، وما قد يترتب عليه من إضرار بالموائل البحرية والكائنات غير المستهدفة.
غير أن التقرير لم يعتبر جميع أيام النشاط المذكورة مخالفات قانونية مثبتة؛ إذ يتوقف تحديد المخالفة على موقع الصيد ونوع الترخيص والتجهيزات المستخدمة.
شبهات تفريغ الأسماك في عرض البحر
وتناول التحقيق أيضًا مشكلة تفريغ الحمولات من سفن إلى أخرى في البحر، بدل المرور بالموانئ الموريتانية.
وبحسب تحليل لبيانات التتبع البحري، رُصدت أنماط نشاط تشير إلى احتمال قيام ما لا يقل عن 50 سفينة مرتبطة بصناعة دقيق السمك بعمليات نقل حمولة في البحر بين عامي 2019 و2024.
وسلط التحقيق الضوء على السفينة التركية «Ilhan Yilmaz-1»، التي رصدت شركة «OceanMind» المتخصصة في التحليل البحري ما لا يقل عن عشر وقائع يُحتمل أنها شهدت نقل حمولة بين عامي 2022 و2024.
وتشكل هذه المعطيات، في حال تأكيدها، تحديًا لأجهزة الرقابة المكلفة بضمان احترام قواعد الصيد والتفريغ والتصريح بالمصطادات.
من أسماك الموريتانيين إلى أعلاف السلمون الأوروبي
وتتجاوز نتائج التحقيق مسألة المخالفات البحرية إلى النموذج الاقتصادي الذي تقوم عليه صناعة دقيق السمك.
فقد تتبع معدّوه سلسلة توريد تنقل الأسماك المصطادة في المياه الموريتانية إلى مصانع محلية تنتج الدقيق والزيت، قبل تصديرها إلى أسواق دولية تستخدم هذه المواد في صناعة أعلاف الأسماك المستزرعة.
وأورد التحقيق مثالًا لسفينة نقلت زيت سمك من ميناء نواذيبو إلى النرويج سنة 2022، في إطار سلسلة توريد مرتبطة بصناعة السلمون.
ويثير هذا النشاط إشكالية المفاضلة بين تحويل الأسماك الصغيرة إلى منتجات للتصدير وتوفيرها للاستهلاك البشري، خصوصًا أن بعض الأنواع المستهدفة تمثل موردًا غذائيًا واقتصاديًا مهمًا للمجتمعات الساحلية.
وأشار التحقيق إلى أن السلطات الموريتانية اتخذت خلال السنوات الماضية إجراءات للحد من تحويل بعض الأنواع السمكية إلى دقيق وزيت، وأن أكثر من 40 مصنعًا كانت قد أغلقت بحلول أغسطس 2025، وفق بيانات أوردها عن وزارة الصيد.
لكن هذه الإجراءات لم تُنهِ الجدل بشأن فعالية الرقابة على المصانع والسفن التي تستمر في النشاط.
أين الرقابة البحرية والبيئية؟
ويفتح التحقيق أسئلة تتعلق بقدرة أجهزة الرقابة الموريتانية على متابعة أنشطة السفن الصناعية، والتحقق من كميات المصطادات وأنواعها، ومراقبة احترام حدود مناطق الصيد، والتأكد من معالجة المخلفات الصناعية.
كما يطرح الحاجة إلى توضيح وضع التدقيق البيئي الشامل لمصانع دقيق السمك، بعدما أشار التقرير إلى تعليق خطط سابقة لإجرائه رغم عرض دعم من البنك الدولي.
ولم يتضمن التحقيق ردًا جديدًا من وزارة الصيد الموريتانية أو سلطة منطقة نواذيبو الحرة على طلبات التعليق التي وجهها معدّوه.
ومع أن الوقائع التي رصدها التحقيق تعود في معظمها إلى سنوات سابقة، فإن نشر معطيات التتبع البحري والبلاغات البيئية يعيد طرح سؤال أساسي: هل تكفي منظومة الرقابة الحالية لضمان استفادة موريتانيا من ثروتها السمكية، وحماية مخزونها البحري من الاستغلال غير المشروع، أم أن الأمر يتطلب تدقيقًا مستقلًا في نشاط السفن والمصانع وعقود التوريد المرتبطة بها؟



.jpeg)

.jpeg)