
تقوم المنظومة الدستورية المعاصرة على قيود قانونية ورموز سياسية. وفي موريتانيا، لا تقتصر المادتان 26 و28 من الدستور على كونهما نصين قانونيين؛ فهما ترسمان ملامح جمهورية تسعى إلى النضج المؤسسي، وتذكّران بأن ممارسة السلطة تظل محكومة بحدود واضحة. ومن ثم، قد يشكل عام 2029 بالنسبة إلى الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني موعدًا مع التاريخ، ولحظة حقيقة يفرض فيها النص الدستوري التمييز بين استمرارية الدولة وبقاء الأشخاص.
غير أن من يتأمل آليات السلطة يدرك أن القانون الدستوري لا يكفي وحده لتفسير الواقع السياسي. فخلف المؤسسات الظاهرة، تنسج علاقات الثقة وروابط التضامن القديمة وشبكات النفوذ، التي تشكلها الثقافة السياسية والبنية الاجتماعية للسلطة. ومن خلال هذه القراءة المزدوجة، الدستورية والاجتماعية السياسية، يمكن تصور ثلاثة مسارات محتملة لاستمرار التأثير السياسي بعد مغادرة السلطة رسميًا: الوفاء الحزبي، والتضامن العسكري، والسلطة المعنوية المستمدة من البنى التقليدية.
الفصل بين المنصب والنفوذ: فرضية رجل الحزب
تقوم الفرضية الأولى على صيغة سياسية عرفتها بلدان أخرى بأشكال مختلفة، تتمثل في الفصل بين المنصب الرسمي والنفوذ الفعلي.
فإذا كانت الرئاسة، بطبيعتها، وظيفة مؤقتة، فإن النفوذ السياسي لرئيس سابق قد يستمر، في ظروف معينة، بعد انتهاء مأموريته.
وفي موريتانيا، يمكن نظريًا أن يتجسد هذا السيناريو عبر انتقال يُحضَّر له داخل الأغلبية الرئاسية والجهاز الحزبي للإنصاف. وقد يسهم اختيار خلف من صفوف الحزب، سواء كان تكنوقراطيًا مشهودًا له بالكفاءة أو مسؤولًا سياسيًا تربطه بالرئيس المنتهية ولايته علاقة ثقة راسخة، في ضمان قدر من استمرارية التوجهات السياسية.
وفي هذه الحالة، لن يكون محمد ولد الشيخ الغزواني ساعيًا بالضرورة إلى تمديد مأموريته، بل قد يحتفظ بتأثير غير مباشر في التوجهات الوطنية الكبرى، ضمن الحدود التي يرسمها الدستور والمؤسسات. فقد تظل خبرته وعلاقاته السياسية ومعرفته بدواليب الدولة حاضرة في النقاش العام، فيما يتحمل خلفه كامل المسؤوليات المرتبطة بالمنصب الرئاسي.
لكن مثل هذا المسار يفترض أن يتمتع الرئيس الجديد بشرعية سياسية ومؤسسية حقيقية. فالاستمرارية لا يمكن اختزالها في الوفاء الشخصي، كما لا يمكن أن تستند بصورة دائمة إلى سلطة موازية. ولن تكون قابلة للاستمرار إلا باحترام استقلالية الخلف، وسيادة المؤسسات، وإرادة المواطنين.
الارتكاز العسكري وتشابك الولاءات: فرضية رفيق السلاح
يقود المنظور الثاني إلى النظر في المكانة التاريخية للمؤسسة العسكرية في بناء الدولة الموريتانية وتطورها. فمنذ عقود، تشكل العلاقات بين السلطة السياسية والجهاز العسكري عنصرًا أساسيًا في التوازن المؤسسي للبلاد.
وبصفته جنرالًا سابقًا وقائدًا سابقًا للأركان، يمتلك محمد ولد الشيخ الغزواني معرفة عميقة بهذه المؤسسة وآليات عملها. وقد أكسبه مساره خبرة خاصة بقضايا الدفاع والأمن، ومعرفة بالرجال والهياكل التي تتولى إدارتها.
ومن هذا المنظور، قد تمر استمرارية النفوذ، نظريًا، عبر وجود مسؤولين داخل المؤسسات يتقاسمون ثقافة مهنية مشتركة ورؤية متقاربة للقضايا الاستراتيجية. وهكذا، تثير فرضية تولي شخصية من الوسط العسكري، أو وثيقة الصلة به، رئاسة البلاد، سؤالًا بشأن تأثير روابط التضامن المهني في التوازنات السياسية بعد انتقال السلطة على رأس الدولة.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الثقة الشخصية، والتضامن بين رفاق السلاح السابقين، والولاء الواجب للمؤسسات الجمهورية. فمغادرة رئيس للسلطة لا تعني بالضرورة زوال علاقاته أو نفوذه، لكنها لا تتيح أيضًا الاستنتاج بأنه يحتفظ بحق ضمني في الاعتراض على قرارات خلفه.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي يتعلق بقدرة المؤسسات على ضمان فصل فعلي بين السلطة السياسية والروابط الشخصية. ففي جمهورية راسخة المؤسسات، يظل الجيش في خدمة الدولة، لا في خدمة رجل، مهما بلغت مكانته. ويجد الوفاء المهني موقعه الصحيح حين يُمارَس في إطار احترام التسلسل القيادي القانوني، والحياد المؤسسي، والاستمرارية الجمهورية.
الشرعية الزاوية والسلطة المعنوية: فرضية أوفى الأوفياء
يمتد المنظور الثالث إلى الجذور التاريخية والاجتماعية العميقة لموريتانيا. فلا يمكن فهم الحياة السياسية في البلاد فهمًا كاملًا من خلال المفاهيم الحديثة للدولة الوطنية وحدها؛ إذ تظل متأثرة أيضًا بالبنى التقليدية، وروابط التضامن الأسري والقبلي، والمكانة التي تحظى بها بعض البيوتات الدينية والروحية.
وينحدر محمد ولد الشيخ الغزواني من أسرة زاوية تحظى بالاحترام، ضمن بيئة اجتماعية وثقافية تحتل فيها المرجعيات الدينية، وتوقير الكبار، والوساطة، والسعي إلى التوافق، مكانة مهمة. وهذا الرصيد الرمزي، شأنه شأن سائر أشكال السلطة المعنوية، لا يزول بالضرورة مع انتهاء المأمورية الرئاسية.
وبعد مغادرته القصر، قد يحتفظ بقدرة على التأثير في بعض مجالات الحياة الوطنية، من خلال نصائحه أو مواقفه أو دور محتمل في الوساطة. وفي هذه الفرضية، لن تستند الاستمرارية إلى صفة رسمية أو سلطة مؤسسية موازية، بل إلى الثقة التي قد تواصل بعض فئات المجتمع منحه إياها.
وقد يميل خلف يتقاسم معه توجهاته، أو يحظى بثقته، إلى الاستفادة من هذه الخبرة وهذا الرصيد من التقدير. غير أن مثل هذه العلاقة لا يمكن افتراضها مسبقًا أو اعتبارها أمرًا محسومًا؛ إذ ستتوقف على شخصية الخلف بقدر ما ستتوقف على قدرته على تحمل مسؤولياته كاملة وبناء شرعيته الخاصة.
فالسلطة المعنوية لا تُفرَض بقرار، ولا تنتقل تلقائيًا. إنها تُبنى مع الزمن، وتتغذى من الثقة، وتستمر باتساق الأقوال والأفعال. ومن ثم، فإن الوفاء الحقيقي في هذا السياق لا يعني الطاعة دون تبصر، بل صون القيم التي تقوم عليها الوحدة الوطنية.
في المحصلة
تتيح هذه المنظورات الثلاثة، الحزبية والعسكرية والاجتماعية الدينية، مساءلة الأشكال المختلفة التي قد تتخذها استمرارية النفوذ السياسي في موريتانيا بعد عام 2029. وهي ليست سيناريوهات محسومة، ولا تنبؤات بنوايا الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، بل إطار لقراءة الآليات التي قد تجعل الثقة الشخصية، وروابط التضامن المؤسسي، والرصيد الرمزي، عوامل مؤثرة في الحياة العامة بعد انتهاء المأمورية.
ومع ذلك، لا بد من الحفاظ على تمييز جوهري: استمرارية الدولة لا تعني بقاء رجل، كما أن الوفاء لقائد لا يمكن أن يحل محل الوفاء للدستور.
وإذا كانت خبرة رئيس سابق قد تظل ذات قيمة للأمة، فلا يجوز أن تتحول إلى وسيلة للالتفاف على حدود السلطة أو الانتقاص من استقلالية خلفه.
ومع اقتراب عام 2029، لن يكون الرهان الحقيقي لموريتانيا معرفة من سيخلف محمد ولد الشيخ الغزواني فحسب، بل تحديد الشروط التي يمكن أن تجعل هذا الانتقال يعزز المؤسسات ويرسخ ثقة المواطنين. فالنضج الديمقراطي لأي أمة لا يُقاس بقدرة قائد على الاحتفاظ بنفوذه بعد رحيله، وإنما بقدرة مؤسساتها على مواصلة أداء مهامها دون الارتهان إلى وجوده.
إن أجدى صور الوفاء ليست تلك التي تمدد سلطة رجل إلى ما لا نهاية، بل تلك التي تتيح لبلاده مواصلة مسيرتها في ظل احترام القانون، واستقرار المؤسسات، وسيادة الشعب.
اعلي محمد
ملاحظات أستاذ



.jpeg)

.jpeg)