البنك المركزي الموريتاني أمام اختبار التضخم والسيولة والاقتصاد الموازي

في وقت يسعى فيه البنك المركزي الموريتاني إلى ترسيخ سلطته على المجال النقدي الوطني، يجد نفسه أمام معادلة بالغة التعقيد، بين متطلبات الاستقرار الاقتصادي الكلي والمقاومة العنيدة التي يبديها نسيج مالي يشهد تحولات متسارعة. وأمام موجة تضخم تجاوزت عتبة 9% في خريف 2026، اختارت السلطات النقدية نهج التشدد التقليدي، فرفعت سعر الفائدة الرئيسي تباعًا إلى 7.25%، وزادت نسبة الاحتياطي الإلزامي للبنوك التجارية إلى ما يقارب ضعف مستواها السابق.

غير أن هذا التشديد الحاد، الهادف إلى امتصاص فائض السيولة وكبح ارتفاع الأسعار، يترافق مع تقييد توفير الأوراق النقدية، بما يُدخل المؤسسات المصرفية في حالة من الاختناق التشغيلي، ويضطرها إلى اقتراض النقد بعضها من بعض لتلبية طلبات السحب المعتادة.

وتثير هذه السياسة شكوكًا عميقة في الأوساط المالية ولدى المراقبين، الذين يرون فيها مؤشرات على تمسك جامد بوصفات نقدية بعيدة عن الواقع الهيكلي للبلاد. وكما أشارت تحليلات نقدية فإن فعالية سلاح الفائدة تبقى محدودة حين يكون التضخم مستوردًا بدرجة كبيرة، فيما يهدد الإفراط في استخدامه بتجفيف الاستثمار المنتج، وخنق المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ودفع الاقتصاد الحقيقي نحو ركود طويل.

وتُضاف إلى هذه الشكوك بشأن ملاءمة الأدوات المستخدمة أزمة ثقة أقل ظهورًا، يغذيها الغموض الذي كثيرًا ما يحيط بمداولات البنك المركزي. فضعف الشرح والتواصل بشأن السياسات المالية، وصعوبة توقع بعض القرارات، وقلة الوضوح حول المؤشرات المرجعية، تعزز الانطباع بوجود حوكمة منغلقة، تظل استقلاليتها الفعلية محل تساؤل.

كما أن التدخلات الخارجية وشبكات النفوذ، سواء أتت من المجال السياسي أو من مصالح خاصة قوية، تواصل تقويض الشفافية المؤسسية وإضعاف مصداقية إدارة منخرطة، مع ذلك، في مشاريع تحديث طموحة، من بينها رقمنة المدفوعات والتمهيد لإنشاء سوق للأوراق المالية في نواكشوط.

والمفارقة أن الثورة الرقمية نفسها، التي يُفترض أن تجسد التقدم وإمكانية تتبع المعاملات المالية، توفر اليوم للسوق السوداء والاقتصاد غير الرسمي أدوات شديدة التطور.

فعلى هامش القنوات المصرفية الرسمية، نشأ نظام موازٍ للمقاصة يتميز بانسيابية لافتة؛ إذ يكفي تسليم عملات أجنبية إلى وسيط خارج الحدود، حتى يُقيَّد ما يعادلها فورًا بالأوقية في حساب على أحد تطبيقات الدفع المحلية، مثل «بنكيلي» أو «مصرفي» أو «كليك» وغيرها.

ويؤسس هذا التداخل بين التمويل غير الرسمي العابر للحدود والنقود الإلكترونية المحلية لما يشبه غرفة مقاصة خفية، تتجاوز رقابة الصرف والتصريح الجمركي.

وحين تتجاوز هذه الآليات التحويلات العائلية البسيطة إلى تداول مليارات الأوقية، تتغير طبيعة المخاطر التي تهدد النظام المالي. فهذه الثغرة تتيح فرصًا واسعة أمام شبكات غسل الأموال والاتجار غير المشروع والتهرب الضريبي على نطاق كبير.

وما لم ينجح البنك المركزي في الجمع بين الصرامة الرقابية والشفافية الكاملة والسيطرة الفعلية على التدفقات الرقمية الموازية، فإن إصلاحاته قد تظل أقرب إلى التمنيات، أمام اقتصاد خفي يبتكر باستمرار أدوات تسبقه بخطوة.

اعليّـه محمد
 

سبت, 07/11/2026 - 16:45