إعفاءات ضريبية بقيمة 17.6 مليار أوقية في موريتانيا.. من يستفيد من ربع الإيرادات الضريبية؟

كشف تقرير رسمي جديد أن الإعفاءات والامتيازات الضريبية الممنوحة في موريتانيا بلغت تكلفتها التقديرية 17.634 مليار أوقية جديدة خلال سنة 2025، أي ما يعادل نحو 176.3 مليار أوقية قديمة، وهو مبلغ يمثل 25.48% من إجمالي الإيرادات الضريبية للدولة.

وتثير هذه الأرقام، الواردة في تقرير النفقات الضريبية الملحق بمشروع قانون المالية لسنة 2027، تساؤلات بشأن المستفيدين الفعليين من هذه الامتيازات، ومدى مساهمتها في تشجيع الاستثمار وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.

و تعادل قيمة الإعفاءات 3.73% من الناتج المحلي الإجمالي و16.67% من إجمالي الإيرادات الميزانوية للدولة.

 

أكثر من ألف إجراء استثنائي

 

أحصى التقرير 1046 إجراءً يتضمن إعفاءات أو استثناءات من النظام الضريبي العام، تستند إلى 16 مرجعًا قانونيًا وتنظيميًا مختلفًا، من بينها 594 إجراءً واردًا في المدونة العامة للضرائب.

وتشمل هذه الامتيازات إعفاءات من الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة وضرائب الاستهلاك وغيرها من الضرائب والرسوم.

وتستحوذ الضرائب والرسوم المرتبطة بالاستهلاك والاستيراد على نحو 92% من التكلفة الإجمالية المقدرة للإعفاءات، فيما تمثل الرسوم الجمركية وحدها 42.7% من هذه التكلفة.

وتبرز هذه المعطيات أهمية الامتيازات الممنوحة عند الاستيراد، سواء للسلع الأساسية أو للأنشطة الاقتصادية المستفيدة من أنظمة ضريبية خاصة.

 

 

من يستفيد من الإعفاءات؟

 

يشير التقرير إلى أن الأسر تستهدفها 43.9% من إجراءات الإعفاء، مقابل 40.8% موجهة إلى المؤسسات الخاصة، فيما تتوزع بقية الإجراءات بين المؤسسات العمومية والجمعيات والمنظمات الدولية وغيرها.

وتشمل القطاعات المستفيدة المواد الغذائية والأدوية والمعادن والصناعة والمحروقات.

غير أن هذه النسب تعبر عن عدد الإجراءات الموجهة إلى كل فئة، ولا تعني بالضرورة حصول الأسر على 43.9% من القيمة المالية للإعفاءات.

وهنا يبرز سؤال أساسي: إلى أي مدى تنعكس الإعفاءات الممنوحة على أسعار السلع والخدمات التي يدفعها المستهلك، وما حجم المنافع التي تحتفظ بها المؤسسات المستوردة أو المستثمرة؟

فالإعفاء الضريبي قد يكون أداة لحماية المستهلك أو تشجيع الاستثمار، لكن فعاليته تتوقف على وصول منفعته إلى الفئات المستهدفة وتحقيقه أهدافًا اقتصادية واجتماعية قابلة للقياس.

 

 

ارتفاع التكلفة خلال خمس سنوات

 

تظهر البيانات أن التكلفة المقدرة للإعفاءات انتقلت من 10.5 مليارات أوقية جديدة سنة 2021 إلى 15.9 مليارًا في 2022، قبل أن تتراجع إلى 10.7 مليارات سنة 2023، ثم ترتفع إلى 17.618 مليارًا في 2024، وتستقر تقريبًا عند 17.634 مليارًا في 2025.

لكن التقرير يوضح أن جزءًا مهمًا من هذه الزيادة يعود إلى توسيع نطاق التقييم وتحسين طرق الحساب، وليس بالضرورة إلى منح امتيازات جديدة بالحجم نفسه.

كما يعترف بأن التقييم لا يزال جزئيًا، إذ لم يشمل سوى تسع ضرائب ورسوم، بسبب محدودية البيانات الإحصائية المتاحة.

 

 

مراجعة الامتيازات الضريبية

 

يلفت التقرير الانتباه إلى أن عددًا معتبرًا من الإعفاءات أُقر عبر نصوص تنظيمية، وهو ما يثير إشكالية توزيع الصلاحيات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في المجال الضريبي.

ويدعو إلى مراجعة استراتيجية للإعفاءات، وتحسين استهدافها، وتقييم فعاليتها الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز الشفافية في منحها ومتابعتها.

وتتقاطع هذه التوصيات مع برنامج الإصلاحات الذي تناقشه موريتانيا مع صندوق النقد الدولي، والذي يتضمن ترشيد الإعفاءات الضريبية ومراجعة بعض الامتيازات الممنوحة للقطاع المعدني، بهدف توسيع القاعدة الضريبية وتعزيز العدالة في توزيع الأعباء.

 

 

هل يمكن استعادة هذه الإيرادات؟

 

لا تعني القيمة المقدرة للإعفاءات أن الخزينة تستطيع تحصيل 17.6 مليار أوقية إضافية بمجرد إلغائها، لأن بعض الامتيازات قد تكون ضرورية لحماية أسعار المواد الأساسية أو جذب الاستثمارات، كما أن إلغاءها قد يغير سلوك المستهلكين والمستثمرين.

لكن حجمها، الذي يعادل نحو ربع الإيرادات الضريبية، يضع أمام الحكومة والبرلمان مسألة تقييم مردود هذه الامتيازات، والتمييز بين الإعفاءات ذات الجدوى الاجتماعية والاقتصادية وتلك التي لا تحقق أهدافًا واضحة.

وفي ظل الضغوط على الميزانية والحاجة إلى تمويل الخدمات الأساسية، يطرح التقرير سؤالًا يتجاوز حجم الإعفاءات إلى كيفية توزيع منافعها: هل تستفيد منها الفئات التي تحتاج فعلًا إلى الدعم، أم أن جزءًا من الموارد الضريبية المتنازل عنها يذهب إلى أنشطة ومؤسسات لا تحقق عائدًا اقتصاديًا أو اجتماعيًا يتناسب مع كلفته

أحد, 08/11/2026 - 13:42