ماكرون في نيروبي: حين تهرب فرنسا من إفريقيا الفرنكوفونية

لم تعد فرنسا قادرة على عقد قممها الإفريقية الكبرى في فضائها التقليدي، غرب إفريقيا والساحل، كما كان يحدث لعقود. فقد تغيّر المشهد جذريًا؛ فالنخب التي كانت تستقبل المسؤولين الفرنسيين باهتمام، وأحيانًا بافتتان، أصبحت تستقبلهم بالمظاهرات، وترفع الأعلام الروسية في وجوههم في المطارات، إلى جانب اللافتات الساخطة.

 

ولهذا لم يكن اختيار كينيا لاحتضان قمة “إفريقيا إلى الأمام” مجرد تفصيل أو تنويع بروتوكولي، بل محاولة هروب سياسي ورمزي من إفريقيا الفرنكوفونية، التي أصبحت بيئة معادية للنفوذ الفرنسي.

 

تدرك باريس أن حضورها في ساحل العاج، مثلًا، أو السنغال، حتى لا نقول مالي وبوركينا فاسو والنيجر، لم يعد مرحبًا به ولا قابلًا للاستمرار بالصيغة القديمة نفسها. كما تدرك أن السردية الفرنسية فقدت قيمتها وبريقها، وأن النخب الإفريقية التي كانت يومًا ما تراهن على فرنسا وأمريكا، بدأت تبحث الآن عن توازنات جديدة داخل عالم متعدد الأقطاب.

 

في المقابل، تحاول فرنسا إعادة التموضع بكل وسيلة؛ فهي تتجنب، مثلًا، عناوين من قبيل “قمة فرنسا-إفريقيا”، وتقترح شعار “إفريقيا إلى الأمام”. وأين؟ في إفريقيا الأنغلوفونية وشرق القارة، ثم تستدعي بعض القادة الغرب إفريقيين إلى هناك بعيدًا عن شعوبهم، وكأنه اجتماع في المنفى.

 

لكن المشكلة أن الأزمة لم تعد مجرد أزمة تموضع جغرافي، بل أزمة قوة ومصداقية داخل فرنسا نفسها.

 

ففرنسا اليوم تواجه اختناقًا اقتصاديًا وطاقويًا متزايدًا؛ إذ تتضخم الديون العمومية، ويتسع العجز المالي، وتعاني الصناعة الفرنسية من ارتفاع تكاليف الطاقة منذ الحرب الأوكرانية وتراجع الإمدادات الرخيصة.

 

وفي ظل هذا الوضع، يصبح الحديث عن دفع إفريقيا إلى الأمام أقرب إلى الخطاب الدعائي منه إلى القدرة الفعلية؛ فالدولة التي تبحث عن إنقاذ اقتصادها وتأمين طاقتها بالكاد تستطيع قيادة نفسها، فكيف ستقود قارة كاملة؟

 

لكن حتى في كينيا الأنغلوفونية لم يكن المشهد مريحًا؛ فقد رافقت زيارة ماكرون احتجاجات شعبية رافضة للوجود والنفوذ الفرنسي، ورفعت شعارات تطالب باريس بترك الأفارقة يحددون مصيرهم بأنفسهم.

 

كما تحدثت تقارير عن قمع أمني عنيف لتلك الاحتجاجات، واستخدام الرصاص الحي لتفريق المتظاهرين. وهنا يظهر التناقض التقليدي المعروف: فرنسا التي تقدم نفسها حاملة لقيم الديمقراطية، تجد نفسها في كل مرة مرتبطة بأنظمة تقمع الشارع حين يرفض النفوذ الفرنسي

خميس, 14/05/2026 - 14:09