
التقارير المتداولة بخصوص زيارة فلاديمير بوتين للصين تتحدث عن بيان مرتقب مع الرئيس الصيني شي جين بينغ بشأن ميلاد عالم متعدد الأقطاب، وهذا في الواقع يمنح الحدث طابعاً تاريخياً يتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين موسكو وبكين.
وللأسف، فإن الغيوم الداكنة التي تتجمع الآن فوق أوروبا تدفع باتجاه سؤال أكثر خطورة: هل يمكن أن يولد هذا العالم الجديد من رحم صدمة كبرى تهز القارة الأوروبية نفسها؟ بل إن بعض الدوائر الجيوسياسية لا تستبعد أن يكون تدشين العصر الجديد لحظة صدام عنيف، قد تأخذ شكل ضربة استراتيجية روسية كبرى ضد أوروبا، سواء كانت نووية محدودة أو ضربة تقليدية فائقة التدمير تعيد رسم خطوط الردع في القارة.
وهذا السيناريو، مهما بدا صادماً، لم يعد خارج نطاق النقاش داخل بعض الأوساط المرتبطة بالكرملين، لأن التحولات الكبرى في التاريخ كثيراً ما جاءت مصحوبة بلحظة كسر عنيفة للنظام القديم، تُجبر العالم على الاعتراف بأن ميزان القوى السابق لم يعد قائماً.
وقد شهدت البشرية في السابق لحظات كثيرة بدا فيها أن عالماً جديداً يولد، ثم انتهى الأمر إلى التعثر أو الانهيار. فنابليون، مثلاً، حاول إعادة تشكيل أوروبا بقوة السلاح والعبقرية العسكرية، لكنه كان يتحرك أسرع من قدرة فرنسا نفسها على حمل مشروعه. كانت لديه الإرادة، لكنه لم يمتلك الطاقة التاريخية الكافية. ففرنسا لم تكن تملك قاعدة ديموغرافية أو اقتصادية أو بحرية تسمح لها بإدارة عالم جديد طويل الأمد، فتحول المشروع النابليوني إلى تمدد عسكري ضخم بلا جذور كافية في بنية التاريخ.
حتى اليابان الإمبراطورية، وهذا مثال لافت، بدت في لحظة من اللحظات وكأنها القوة الآسيوية القادرة على كسر احتكار الغرب، لكنها أيضاً، مثل نابليون وهتلر، كانت تحاول فرض صعودها عبر التوسع العسكري المباشر، دون امتلاك عمق حضاري أو ديموغرافي أو تحالفي يسمح بتحويل الانتصارات العسكرية إلى نظام دولي دائم. ولهذا سقط المشروع الياباني بسرعة مذهلة بمجرد اختلال التوازن العسكري.
في المرات السابقة، كانت القوى الصاعدة تحاول فرض عالم جديد بالقوة المجردة، دون امتلاك “طاقة الدفع التاريخية” الكافية للولادة، ودون وجود ما يمكن تسميته مجازاً بـ“القابلات المؤهلات” لاستقبال الولادة الجديدة. كانت المشاريع تتقدم عسكرياً، بينما البيئة الدولية بأكملها ترفضها أو تعجز عن احتضانها.
أما اليوم، فإن الوضع يبدو مختلفاً بصورة لافتة. فالعالم المتعدد الأقطاب لا يستند فقط إلى القدرة العسكرية والرغبة السياسية لدى روسيا أو الصين، بل إلى تحولات بنيوية عميقة. فقد أصبحت الصين مصنع العالم وأحد أقوى الاقتصادات على الأرض، وتحولت روسيا إلى مركز عسكري وطاقوي وغذائي شديد الأهمية، فيما تنتقل الكثافة الديموغرافية والاقتصادية تدريجياً نحو آسيا وإفريقيا. كما أن شبكات التجارة والتمويل والاتصالات والإعلام بدأت تتحرر جزئياً من الاحتكار الغربي الذي استمر لعقود.
وربما لهذا السبب تبدو اللحظة الحالية شديدة الأهمية؛ لأن العالم، لأول مرة منذ عقود طويلة، لا يناقش فقط من يملك القوة، بل يناقش أيضاً من يملك المصداقية والحق في تعريف شكل العالم القادم.



.jpeg)

.jpeg)