
إن المشاركة المتكررة في مسارات سياسية يصممها النظام الحاكم ويتحكم في مخرجاتها، والتي تبدو نتائجها معروفةً في كثير من الأحيان قبل انطلاقها، تُلحق بالمعارضة كلفةً سياسيةً كبيرة. ومن ثمّ، أصبح لزامًا عليها أن تخلق ديناميكيتها السياسية الخاصة، وأن تحدد أجندتها بنفسها، وأن تفرض مطالبها في صلب النقاش الوطني.
إن مثل هذا التوجه يتطلب قدرًا أكبر من الوحدة والتنسيق والعزيمة. فلم يعد الوقت مناسبًا للمبادرات المتفرقة، ولا للحسابات الضيقة، ولا للمنافسات الثانوية. بل إن المرحلة تقتضي بناء ميزان قوى سياسي قادر على فرض الإصلاحات التي يرفض النظام المضي فيها بإصرار، وفي مقدمتها: توفير ضمانات انتخابية حقيقية وموثوقة، وترسيخ فصل فعلي بين السلطات، وإقامة إدارة عمومية محايدة بحق، ومكافحة صارمة للفساد، وضمان الشفافية في إدارة الموارد العامة، واحترام الحريات الأساسية احترامًا كاملًا غير منقوص.
إن التداول الديمقراطي على السلطة لا يتوقف على حسن نية السلطة الحاكمة ولا على مزاجها السياسي. بل هو ثمرة قدرة قوى التغيير على التنظيم والتوحد حول القضايا الجوهرية، وحشد المواطنين حول مشروع سياسي متماسك وموثوق وقادر على بث الأمل.
واليوم، تتطلع الغالبية العظمى من أبناء شعبنا إلى نمط من الحكم أكثر عدالة وفعالية، وأكثر التزامًا بخدمة المصلحة العامة. غير أن هذا التطلع المشروع لن يتحقق عبر حملات دعائية أو حوارات تفتقر إلى الأثر الحقيقي. فهو يتطلب تحولًا عميقًا في الممارسات السياسية، وفي طريقة عمل المؤسسات، وفي طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطنين.
إن البلاد بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى إصلاحات حقيقية لا إلى وعود متكررة. وهي بحاجة إلى تداول على السلطة يستند إلى الإرادة الشعبية، وإلى مؤسسات ذات مصداقية، وإلى دولة قانون، لا إلى استمرارٍ غير محدود لمنظومة سياسية بات هاجسها الأساسي الحفاظ على بقائها.
لقد علمتنا دروس التاريخ أن أي سلطة لا تستطيع البقاء إلى ما لا نهاية عندما تتوقف عن الاستجابة للتطلعات الأساسية للأمة. ومن ثم، فإن السؤال الحاسم لم يعد ما إذا كان التغيير سيأتي في نهاية المطاف، بل ما إذا كانت القوى التي تنادي به قادرة على أن تتوحد، وأن تنتظم، وأن ترتقي إلى مستوى المسؤولية التاريخية للامة.



.jpeg)

.jpeg)