
كشفت أزمة الارتفاع غير المسبوق في أسعار المحروقات في موريتانيا عن فجوة عميقة داخل المشهد الصحفي الوطني، ليس فقط على مستوى المهنية، بل أيضًا في ما يتعلق بترتيب أولويات المواطن وهمومه.
ففي الوقت الذي انحازت فيه غالبية الصحفيين إلى المواطن البسيط، من خلال طرح أسئلته الملحّة على أعضاء الحكومة خلال مؤتمراتهم الأسبوعية، وبأسلوب كشف ضبابية الرؤية لدى عدد من الوزراء، وأظهر عجزهم عن تقديم مبررات مقنعة لسياسات وصفها كثير من المتابعين بالمجحفة، انشغل جزء آخر من الصحافة بتبرير سياسة جباية الأرباح على حساب المواطن، رغم عجزه الواضح عن إقناع الرأي العام بخطاب يقدّم المنافع الخاصة على حساب الأولويات المعيشية للفئات الأكثر هشاشة.
وفي خضم هذه الأزمة، بادرت السلطات إلى تنظيم حفل لتوزيع البطاقات المهنية للصحفيين، في خطوة رأى فيها كثيرون محاولة لذر الرماد في العيون، وسعيًا إلى ربط مفهوم المهنية الصحفية بالتناغم مع التوجه العام للحكومة بدل ربطه بالاستقلالية والالتزام بخدمة المصلحة العامة.
من جهتهم، رأى بعض المهتمين بعلم الاجتماع الإعلامي أن هذا الانقسام ليس سوى انعكاس طبيعي للتفاوتات الاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمع، وهي تفاوتات امتدت آثارها إلى غرف التحرير، حتى بدا وكأن بعض المؤسسات الإعلامية تنتمي إلى عالم مختلف تمامًا عن ذلك الذي يعيش فيه المواطن العادي.
ومع ذلك، فقد أسهم هذا التباين الحاد في بلورة وعي وطني متزايد، قائم على مساءلة السلطة ورفض بعض المظاهر المشينة، وفي مقدمتها تبديد المال العام. والأهم من ذلك أن الصحافة المنحازة لقضايا المواطن نجحت في بناء ذاكرة رقمية جماعية توثّق التجاوزات والاختلالات التي تمس المصالح الحيوية للبلاد، وتُبقيها حاضرة في الوعي العام.
ولعل أبرز ما أفرزته هذه الأزمة أنها دفعت المواطن البسيط إلى التعمق في فهم الآليات التي تُدار بها شؤون الدولة، بعدما جعلته صحافة أكثر التصاقًا بواقعه يدرك، بوعي متزايد، أنه أول المتضررين من القرارات غير المعقلنة ومن السياسات التي تُصاغ بعيدًا عن مصالحه وتطلعاته.
وبين وادي المواطن وصحافته، تغرّد صحافة أخرى وفق معايير مختلفة. غير أن أهم ما كشفه هذا التباين الصارخ هو أن غالبية الموريتانيين باتوا يدركون أن هناك من يرهن قلمه وحبره لمن يدفع أكثر. ولذلك، فإن هذا الصنف من الصحافة مدعو إلى الاستعداد لهزّات الارتداد الشعبي التي غالبًا ما ترافق صعود الوعي العام واتساع دائرة المساءلة المجتمعية.
د.أمم ولد عبد الله



.jpeg)

.jpeg)