
ضعفاء الذاكرة، سرعان ما ينسون الأشياء حتى ولو كانوا حديثي عهد بها، وهذا بالفعل ما يقع هذه الأيام مع دعاة المأمورية الثالثة، مع أنهم "مخضرمون" كلهم، كلمة "مخضرم"، تعني أصلا، من عاش في الجاهلية وأدرك الإسلام، ونعني بها هنا مجازا، من كان في أغلبية الرئيس السابق، ولحق، بأريحية تامة، بأغلبية الرئيس الحالي.
السبب الذي دفع هؤلاء، حسب قولهم، للمطالبة بالمأمورية الثالثة، هو سبب وجيه ومقنع، ويتعلق بالإنجازات الكبيرة التي تحققت في ظل النظام الحالي، حيث يجزمون، بأن كل الأنظمة التي تعاقبت على ظهورنا منذ الاستقلال حتى اليوم، لم تنجز مجتمعة ثلث ما حققه النظام الحالي.
ليست لدي أدنى فكرة، عن الأدوات التي استخدمها هؤلاء، للقيام بهذه العملية الحسابية المضنية والمعقدة للغاية، "الذكاء الاصطناعي" مثلا؟ ...ربما! ولكن، لنفترض جدلا أن هذه الحسبة دقيقة لا مراء فيها، فتلك حجة عليهم لا لهم.
لقد نسي القوم، أن الرئيس الحالي، هو أول رئيس للبلاد، جاء عن طريق التناوب الديمقراطي السلمي على السلطة، ليس هذا فقط، بل الأسوأ من ذلك، نسوا أيضا أنهم هم أنفسهم من كان يطالب بمأمورية ثالثة للرئيس السابق وسد الطرق أمام رئيس جديد، ولو أن البلاد انساقت وقتها وراء نزواتهم تلك، لكنا حرمنا أنفسنا وبلادنا من الرئيس الحالي، ولما كنا حصلنا على ما حصلنا عليه من إنجازات.
منطقيا، هذا يعني، أن ما حصل في البلاد خلال السنوات الماضية، إنما كان بفضل التناوب على السلطة، الذي يسعى هؤلاء اليوم إلى محاربته، كما حاربوه أول مرة عام 2019، فلماذا يحاولون حرماننا مرة أخرى من رئيس قادم، يحقق لنا مكاسب تنسينا قصص كل الأزمنة السياسية الفارطة.
على العكس تماما، تجربة التناوب الأول على علاتها، يجب أن ترسخ في الأذهان أهمية هذا التقليد الديمقراطي الراقي والجميل، وتجعلنا نحتفي به جميعا ونعض عليه بالنواجذ، وندخله في باب "المقدس السياسي"، الذي لا يجوز الاقتراب منه أو المساس به البتة، لقد كان على هؤلاء القوم، أن يستخلصوا الدروس والعبر من جريرتهم الأولى، وأن يحتفوا بتلك المادة الدستورية المنقذة، بدل أن يحصروها في الزاوية، ويوجهوا إليها خراطيم بنادقهم القديمة.
على الأغلبية، أن تجد، في أسرع وقت، البرشام المناسب للتخلص من عسر الهضم، الذي رافقها طيلة السنوات الماضية، وأن تنكب على اختيار مرشحها لرئاسيات 2029، وأن يكون الاختيار هذه المرة، نتيجة تشاور داخلي موسع ولم لا انتخابات أولية؟ كما يحصل في الديمقراطيات الراسخة، لا عن طريق "توجيهات سامية" وعبارة "مرشحنا هو فلان"، وينتهي الأمر كله في لحظة واحدة، كما حصل في المرة الماضية.
لقد آن الأوان، أن نبهر العالم بتجربتنا الديمقراطية، بدل أن نجعله يصحو كل صباح، على صورة أخرى، من صور بؤسنا السياسي المزمن.



.jpeg)

.jpeg)