
شهدت موريتانيا، شأنها شأن عدد من المجتمعات، مراحل تاريخية عرفت أنماطًا من العبودية والعلاقات الاجتماعية غير المتكافئة قبل قيام الدولة الوطنية الحديثة سنة 1960. ولا خلاف على أن تلك المرحلة خلّفت آثارًا اجتماعية واقتصادية امتدت إلى العقود اللاحقة، وهو ما جعل قضية الغبن الاجتماعي تحتل مكانة محورية في النقاش الوطني.
ومع ذلك، فإن جزءًا كبيرًا من هذا النقاش ظل محكومًا بالاعتبارات السياسية والأخلاقية، بينما بقي البعد الاقتصادي، وهو الأكثر قدرة على قياس النتائج وتقييم السياسات، أقل حضورًا. فالاقتصاد لا يكتفي بالإقرار بوجود الغبن، وإنما يطرح أسئلة أكثر دقة: كيف نقيسه؟ ما حجمه؟ وما مدى نجاح السياسات العمومية في الحد منه؟
ومن هذا المنطلق، فإن التمييز الإيجابي ليس هدفًا في حد ذاته، بل هو أداة من أدوات السياسة العمومية قد تلجأ إليها الدولة لمعالجة اختلالات تاريخية أثرت في تكافؤ الفرص بين المواطنين. وتقوم فلسفته على مفهوم العدالة التصحيحية، أي محاولة تقليص آثار التهميش المتراكم عبر منح فرص إضافية لفئات تضررت تاريخيًا، بما يساعدها على الاندماج في المنافسة على أساس أكثر تكافؤًا.
غير أن نجاح أي أداة من أدوات السياسة الاقتصادية لا يقاس بعدالة أهدافها أو نبل مقاصدها فقط، وإنما يقاس أيضًا بقدرتها على تحقيق نتائج قابلة للقياس والتحقق.
ولهذا السبب، طوّر علم الاقتصاد مجموعة من المؤشرات المعترف بها دوليًا لقياس التفاوت والحرمان، من أهمها معامل جيني لقياس عدم المساواة في توزيع الدخل، ومؤشر بالما الذي يقارن بين حصة أعلى 10% من السكان وحصة أفقر 40%، إضافة إلى مؤشرات الفقر متعدد الأبعاد، والحراك الاجتماعي، وتكافؤ الفرص، وغيرها من أدوات القياس التي تعتمدها المؤسسات الدولية عند تقييم السياسات الاجتماعية.
ومن هنا يبرز سؤال أساسي: هل بُنيت سياسات التمييز الإيجابي في موريتانيا على هذه المنهجية العلمية؟
في كثير من الأحيان، ينصب النقاش على ضرورة تطبيق التمييز الإيجابي أكثر من انشغاله بكيفية تصميمه وتقييمه. فلا نجد في الغالب خطًا أساسيًا يحدد حجم الغبن قبل بدء التدخل، ولا أهدافًا كمية محددة يراد بلوغها، ولا مؤشرات أداء تقيس التقدم المحقق، ولا سقفًا زمنيًا واضحًا تخضع عند انتهائه السياسة للمراجعة أو التقييم، كما لا نجد تقييمًا مستقلاً ومنتظمًا يقيس أثرها الحقيقي على الفئات المستهدفة.
ومن منظور اقتصادي، يمثل ذلك ثغرة منهجية مهمة؛ لأن أي سياسة عمومية لا يمكن قياس نتائجها لا يمكن الجزم بنجاحها أو إخفاقها. بل إن غياب التقييم قد يؤدي إلى استمرار السياسة لعقود، لا لأنها أثبتت فعاليتها، وإنما لأن أحدًا لم يتحقق علميًا من نتائجها.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يُفهم هذا الطرح على أنه رفض لمبدأ التمييز الإيجابي، بل هو دعوة إلى تعزيز فعاليته وربطه بمنهجية واضحة. فالاقتصاد لا يعارض التدخل العمومي عندما يكون مبررًا، لكنه يشترط أن يكون قائمًا على الأدلة، وأن يخضع للتقييم الدوري، وأن يكون قابلاً للمراجعة كلما تغيرت الظروف أو تحققت الأهداف.
كما أن الغبن الاجتماعي في موريتانيا لا يمكن اختزاله في عامل واحد، فهو نتاج تداخل عوامل تاريخية واقتصادية وتعليمية وجغرافية. ولذلك، فإن توجيه السياسات ينبغي أن يستند إلى بيانات دقيقة عن مستويات الفقر، وجودة التعليم، والبطالة، وإمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية، مع الأخذ في الاعتبار أن بعض الفئات التي عانت من آثار العبودية قد تكون ممثلة بصورة أكبر ضمن هذه المؤشرات.
ومن زاوية التنمية الاقتصادية، فإن أكثر أشكال التمييز الإيجابي استدامة ليس توزيع المناصب أو الوظائف، وإنما الاستثمار في رأس المال البشري. فالتعليم الجيد، والتكوين المهني، والرعاية الصحية، وتمويل المشاريع الصغيرة، وتطوير البنية التحتية في المناطق الأكثر هشاشة، كلها سياسات تعالج جذور التفاوت، وترفع الإنتاجية، وتوسع قاعدة النمو الاقتصادي، بدلاً من الاكتفاء بإعادة توزيع فرص محدودة.
كما أن التجارب الدولية تبين أن برامج التمييز الإيجابي تكون أكثر نجاحًا عندما تُصمم بوصفها سياسات انتقالية تخضع لمراجعة دورية، لا بوصفها ترتيبات دائمة. فالمعيار الحقيقي لنجاحها هو قدرتها على تقليص الفوارق بمرور الوقت، بحيث تصبح الحاجة إليها أقل، لا أن تتحول إلى جزء دائم من بنية الدولة.
إن الانتقال من الخطاب السياسي إلى التحليل الاقتصادي لا يعني تجاهل المظالم التاريخية أو التقليل من شأنها، بل يعني التعامل معها بأدوات أكثر دقة وشفافية. فالعدالة الاجتماعية تصبح أكثر قوة عندما تستند إلى البيانات، وتُقاس بالمؤشرات، وتُراجع نتائجها بصورة دورية، وتخضع للمساءلة مثلها مثل أي سياسة عمومية أخرى.
إن السؤال الحقيقي ليس: هل نؤيد التمييز الإيجابي أم نرفضه؟ بل: هل صممناه بطريقة تسمح لنا، بعد عشر سنوات أو عشرين سنة، بأن نجيب بالأرقام لا بالشعارات: هل انخفض الغبن فعلًا؟ وهل تقلصت الفوارق؟ وهل أصبحت الفرص أكثر تكافؤًا؟
فالدول الحديثة لا تُقاس بنوايا سياساتها، وإنما بقدرتها على تحقيق نتائج قابلة للقياس. والعدالة الاجتماعية ليست مجرد إعلان سياسي، بل مشروع تنموي يحتاج إلى أهداف واضحة، ومؤشرات دقيقة، وتقييم مستقل، ومراجعة مستمرة. عندها فقط يمكن أن يتحول التمييز الإيجابي من شعار يتجدد في الخطاب إلى سياسة عمومية ناجحة، تثبت بالأدلة أنها حققت الغاية التي وُجدت من أجلها.
محمد عبد الله احبيب
إقتصادي



.jpeg)

.jpeg)