
يكاد اسم إياد أغ غالي يتحول، مع مرور الوقت، إلى عنوان لظاهرة إعلامية بحد ذاتها. فكلما اشتدت المواجهات في شمال مالي أو حققت الجماعات المسلحة تقدمًا ميدانيًا، تتجدد الأنباء عن مقتله أو إصابته البالغة، قبل أن يختفي الخبر تدريجيًا لغياب أي دليل يؤيده، ثم يعود الرجل إلى الظهور في تسجيل صوتي أو رسالة أو بيان جديد.
وليس ما جرى عقب معارك أنيفيس سوى حلقة جديدة في هذه السلسلة. فقد تداولت وسائل إعلام ومنصات على مواقع التواصل أخبارًا متضاربة تحدثت تارة عن إصابته، وتارة عن مقتله، بينما ذهبت بعض الجهات إلى نشر صور مفبركة أو عناوين حاسمة دون تقديم أي دليل مادي يمكن التحقق منه.
هذه الظاهرة ليست جديدة. فمنذ سنوات طويلة، أُعلن عن مقتل زعيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين أكثر من مرة، لكن الوقائع كانت تنتهي دائمًا إلى نفي تلك الروايات بصورة غير مباشرة عندما يعاود الظهور. وهكذا أصبح الإعلان عن مقتله حدثًا متكررًا أكثر من كونه معلومة موثقة.
ويبدو أن مثل هذه الأخبار لا تستهدف دائمًا نقل الوقائع بقدر ما تؤدي وظيفة نفسية وإعلامية. فعندما يصعب تحقيق انتصار واضح في الميدان، يصبح الإعلان عن إصابة أو مقتل القائد المعادي وسيلة لرفع معنويات القوات، وطمأنة الرأي العام، وإظهار أن الحرب تسير في الاتجاه الصحيح، حتى وإن لم تؤكد الوقائع ذلك.
غير أن اختزال الصراع في شخص واحد يحمل قدرًا كبيرًا من التبسيط. فالأزمة التي تعيشها مناطق واسعة من مالي لا ترتبط بشخص إياد أغ غالي وحده، وإنما تتصل بعوامل أعمق، من بينها هشاشة الدولة، وضعف الخدمات، واتساع الفوارق التنموية، وتعثر تنفيذ اتفاقات السلام، وتراجع الثقة بين السلطة المركزية وسكان الأطراف.
ولهذا، فإن التركيز على مصير قائد واحد قد يحجب الأسئلة الأساسية المتعلقة بأسباب استمرار التمرد واتساع رقعته، كما قد يصرف الانتباه عن تقييم النتائج الحقيقية للعمليات العسكرية على الأرض.
كما أن تكرار الإعلان عن مقتل الرجل، ثم ثبوت عدم صحة تلك الأخبار، ينعكس سلبًا على مصداقية الجهات التي تروجها. فكل رواية غير مؤكدة تنتهي إلى نتيجة عكسية، إذ تمنح خصمها مزيدًا من الحضور الرمزي، وتغذي صورته بوصفه شخصية يصعب الوصول إليها.
وحتى إذا افترضنا أن إياد أغ غالي قُتل بالفعل في يوم من الأيام، فإن ذلك لا يعني بالضرورة نهاية الحركة التي يقودها. فقد أظهرت تجارب عديدة في منطقة الساحل أن مقتل قادة الجماعات المسلحة لا يؤدي تلقائيًا إلى تفكك تنظيماتهم، بل كثيرًا ما تعيد هذه الجماعات ترتيب صفوفها، وتفرز قيادات جديدة، وربما تصبح أكثر تشددًا من السابق.
إن الرهان على تصفية القيادات وحدها لا يكفي لإنهاء التمرد، لأن التنظيمات المسلحة لا تستمد قوتها من شخص قائدها فقط، بل من البيئة التي تنشط فيها، ومن الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تستغلها في التجنيد والتوسع.
ولهذا، فإن معالجة جذور الأزمة تبقى أكثر أهمية من ملاحقة رموزها. فحين تنجح الدولة في بسط العدالة، وتوفير الخدمات، وتعزيز الثقة مع المواطنين، وتوسيع المشاركة السياسية، ستفقد الجماعات المسلحة تدريجيًا جزءًا كبيرًا من قدرتها على استقطاب الأنصار.
أما الاكتفاء بإعلان الانتصارات الإعلامية أو تداول أخبار غير مؤكدة عن مقتل القادة، فلن يكون كافيًا لتغيير موازين الصراع، لأن الحروب لا تُحسم بالبيانات وحدها، بل بمعالجة الأسباب التي تجعلها تستمر.



.jpeg)

.jpeg)