هل أجبرت معركة الشمال باماكو على العودة إلى الجزائر؟

تشكل معركة أنيفيس، التي دارت بين 4 و9 يوليو 2026، أكثر من مجرد مواجهة عسكرية في شمال مالي. فبعيداً عن البيانات الرسمية التي تحدثت عن “استعادة” المدينة، تطرح هذه المعركة أسئلة أعمق حول مستقبل الحرب، وحدود الخيار العسكري، ومستقبل العلاقات بين باماكو والجزائر.

فالمدينة، الواقعة على الطريق الرابط بين غاو وكيدال، ليست مجرد بلدة صحراوية، بل تعد إحدى أهم العقد اللوجستية والعسكرية في شمال مالي. ومن يسيطر عليها يمتلك قدرة أكبر على التحرك نحو كيدال أو الدفاع عن غاو، ولذلك كانت منذ سنوات هدفاً دائماً لجميع أطراف النزاع.

 

 

انتصار تكتيكي… 

 

نجحت القوات المالية، بدعم من عناصر “فيلق إفريقيا” الروسي والطيران المسيّر والمدفعية، في استعادة أنيفيس بعد خمسة أيام من القتال. لكن هذه النتيجة، رغم أهميتها العسكرية، لا تبدو كافية للحديث عن تحول استراتيجي.

فالمدينة كانت أصلاً تحت سيطرة الجيش المالي قبل أن تسقط سريعاً بيد تحالف ضم جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وهو ما يكشف أن قدرة هذا التحالف على تنفيذ هجمات منسقة ما تزال قائمة رغم الضربات الجوية المكثفة.

كما أن اضطرار باماكو إلى استخدام كل هذا الحجم من الدعم الجوي والروسي لاستعادة موقع واحد يعكس طبيعة الحرب الحالية، التي باتت أقرب إلى حرب استنزاف منها إلى حرب حسم.

 

 

تحالف يغيّر موازين القوة

 

أحد أبرز تطورات عام 2026 هو التقارب الميداني بين بعض الحركات الأزوادية المسلحة والجماعات الجهادية.

ورغم اختلاف المرجعيات السياسية والإيديولوجية بين الطرفين، فإن وجود هدف عسكري مشترك، يتمثل في مواجهة الجيش المالي، منح هذا التحالف قدرة أكبر على المناورة والسيطرة على مساحات واسعة من الشمال.

وهذا التطور يجعل أي قراءة للصراع من زاوية “محاربة الإرهاب” وحدها غير كافية، لأن جزءاً من المواجهة أصبح يحمل أيضاً أبعاداً سياسية مرتبطة بمطالب الحكم الذاتي أو تقرير المصير التي ترفعها الحركات الأزوادية.

 

 

حدود الرهان على القوة

 

منذ إنهاء اتفاق الجزائر مطلع 2024، راهنت السلطات المالية على استعادة السيطرة الكاملة بالقوة العسكرية، مستفيدة من انسحاب القوات الفرنسية وقوات الأمم المتحدة، ومن الشراكة العسكرية مع روسيا.

وبالفعل تمكن الجيش من دخول كيدال في نوفمبر 2023، وهو ما اعتُبر آنذاك تحولاً تاريخياً.

غير أن الأشهر اللاحقة أظهرت أن السيطرة على المدن لا تعني انتهاء التمرد، إذ استعادت الجماعات المسلحة قدرتها على المبادرة، وتحولت المعارك إلى عمليات كر وفر، مع استمرار الهجمات على القواعد العسكرية وخطوط الإمداد.

وبذلك تبدو معركة أنيفيس دليلاً إضافياً على أن التفوق الجوي، مهما بلغ، لا يكفي وحده لإنهاء نزاع يمتد على مساحة صحراوية شاسعة ويستند إلى شبكات محلية عابرة للحدود.

 

 

لماذا عادت الجزائر إلى الواجهة؟

 

اللافت أن استعادة أنيفيس تزامنت تقريباً مع إعلان مالي والجزائر إعادة السفراء وفتح المجالين الجويين، بعد أكثر من عام من القطيعة الدبلوماسية.

ولا يمكن الجزم بوجود علاقة سببية مباشرة بين الحدثين، لكن التوقيت يفتح باب التساؤل حول ما إذا كانت التطورات الميدانية قد دفعت الطرفين إلى إعادة فتح قنوات التواصل.

فالجزائر ظلت لعقود الوسيط الرئيسي في النزاعات المالية، وقادت اتفاقات سلام متعاقبة، أبرزها اتفاق الجزائر لعام 2015.

ورغم انهيار هذا الاتفاق، فإن الواقع الجغرافي يجعل من الصعب تجاوز الدور الجزائري، في ظل حدود مشتركة تتجاوز 1300 كيلومتر وتشابك المصالح الأمنية بين البلدين.

 

 

هل اقتربت نهاية الخيار العسكري؟

 

يصعب الحديث عن نهاية الحرب في المدى المنظور، لكن المؤشرات الحالية توحي بأن أياً من الأطراف لا يمتلك القدرة على تحقيق انتصار حاسم.

فالجيش المالي يحتفظ بالتفوق في الطيران والتسليح الثقيل، بينما تواصل الجماعات المسلحة إثبات قدرتها على المناورة واستنزاف القوات الحكومية.

وفي مثل هذه الحروب، يتحول الإنجاز العسكري إلى نجاح مؤقت ما لم يترجم إلى استقرار سياسي وإداري دائم.

 

 

بين المدفع والتفاوض

 

تكشف تجربة مالي خلال السنوات الأخيرة أن السيطرة العسكرية على المدن لا تعني بالضرورة السيطرة على النزاع نفسه.

وقد تؤخر العمليات العسكرية تقدم الجماعات المسلحة، لكنها لم تنجح حتى الآن في إزالة الأسباب السياسية والاجتماعية التي غذّت الصراع لعقود.

لذلك، تبدو معركة أنيفيس محطة جديدة في حرب طويلة أكثر منها نقطة حسم. فهي تؤكد أن القوة العسكرية تظل أداة مهمة لحماية الدولة، لكنها وحدها لا تكفي لإنهاء أزمة معقدة تتداخل فيها اعتبارات الأمن والسياسة والهوية والجغرافيا.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تمهد هذه التطورات لعودة مسار التسوية السياسية، أم أن شمال مالي مقبل على مرحلة جديدة من الاستنزاف العسكري؟

 

مولاي سيد احمد

سبت, 18/07/2026 - 14:23