
لكل مرحلة سياسية أدواتها. فإذا عجزت السلطة عن إخماد قضية، حاولت احتواءها. وإذا استعصى عليها إسكات صوت، صنعت صوتا آخر ينافسه. هكذا جرت العادة في تجارب كثيرة، وهكذا يبدو المشهد اليوم مع ما يسمى بـ"حراك النهوض والعافية امونكه ومليون توقيع ضد خطاب الكراهية"
من حق أي مواطن أن يؤسس إطارا سياسيا أو حقوقيا، ومن حق أي شاب أن يبحث عن وظيفة تحفظ كرامته. لكن من حق الرأي العام أيضا أن يسأل: هل نحن أمام حراك للنهوض بقضية لحراطين، أم أمام حراك للنهوض بآمال بعض العاطلين في الحصول على وظائف؟
ثمة فرق شاسع بين من يجعل الوظيفة وسيلة لخدمة القضية، ومن يجعل القضية وسيلة للوصول إلى الوظيفة.
لقد مضت سبع سنوات من الوعود. سبع سنوات كان فيها الخطاب الرسمي عامرا بالتعهدات، بينما ظل الواقع أكثر بلاغة من الخطب. وبعد كل هذا الزمن، يصبح التعويل على وعود جديدة أقرب إلى مراهقة سياسية منه إلى قراءة ناضجة للواقع. فالسياسة لا تُقاس بما يُقال، وإنما بما تحقق على الأرض.
والتوظيف ليس منحة يمن بها أحد على أحد، بل هو حق يكفله الدستور والقانون. أما تحويل الوظيفة إلى أداة للاستقطاب السياسي، فهو إضرار بالدولة قبل أن يكون إضرارا بالمواطن. لأنه ينسف مبدأ تكافؤ الفرص، ويحول الإدارة إلى سوق للمحاصصة، ويضعف ثقة الناس في مؤسساتهم.
ومن أغرب المفارقات أن بعض القائمين على هذا الحراك أخذوا يتواصلون مع الشباب طالبين سيرهم الذاتية، وكأن القضية تحولت من قضية مساواة وعدالة إلى مكتب تشغيل غير معلن. وما الذي يضمن لهؤلاء الشباب أن تلك السير لن تتحول إلى مجرد أوراق في أرشيف الوعود المؤجلة؟
المفارقة الأخرى أكثر إثارة.
لسنوات طويلة، لم يفتأ النظام وحلفاؤه يهاجمون حركة إيرا، ويتهمونها بأنها تؤسس خطابها على الشرائحية. واليوم يظهر إطار سياسي أو حقوقي يخاطب الشريحة نفسها، ويعبئ أبناءها باسمها، ويجد من الترحيب والتسهيلات ما لم يجده غيره.
فإذا كانت الشرائحية مذمومة بالأمس، فلماذا أصبحت مقبولة اليوم؟ وإذا كانت مرفوضة من حيث المبدأ، فلماذا تغير الحكم عليها بمجرد تغير الجهة التي تمارسها؟
إن هذا التناقض وحده كافٍ لطرح أسئلة لا يمكن تجاهلها.
ثم إن التاريخ ليس كريما مع الحركات التي تفقد استقلاليتها. فالحراك الذي يستمد قوته من السلطة، يذبل بذبولها. أما الحراك الذي يستمد قوته من الناس، فلا يتغير بتغير الانظمة . وما أكثر الحركات التي ولدت بضجيج كبير ثم اختفت بمجرد تغير موازين القوى، ولم يبق منها إلا أسماء ارتبطت بلحظة سياسية عابرة.
والحقيقة التي لا ينبغي أن تغيب هي أن قضية لحراطين لم تصبح قضية وطنية لأن بعض المسؤولين تحدثوا عنها، وإنما لأن رجالا ونساء دفعوا ثمن الدفاع عنها سجنا وتشريدا وإقصاء وتضييقا. هؤلاء لم تكن بين أيديهم وعود بالتعيين، ولا بطاقات عبور إلى المناصب، وإنما كانت لديهم قناعة بأن الكرامة لا تُستعار، وأن الحقوق لا تُمنح صدقة.
ولا أحد يلوم شابا أنه يبحث عن عمل. فقد ذقت مرارة البطالة، وما زلت أعيشها، كما يعيشها إخوتي وأخواتي، رغم أن جميعنا يحمل شهادات جامعية. وأعرف جيدا كيف يمكن للحاجة أن تضغط على الإنسان. لكنني أعرف أيضا أن البطالة، مهما اشتدت، لا ينبغي أن تتحول إلى ثمن للتخلي عن استقلال الموقف، ولا إلى جسر يعبر عليه الآخرون لتصفية الحساب مع أصحاب القضية الحقيقيين.
إن حقوق الشعوب والفئات المظلومة لم تأت في أي تجربة إنسانية من داخل أنظمة الامتيازات، وإنما انتزعها أصحابها بالنضال السلمي، وبالصبر، وبالاستقلالية، وبالقدرة على قول "لا" حين يصبح الجميع منشغلين بقول "نعم".
أما الرهان على أن النظام سيصنع بنفسه البديل الذي يغيره، فهو رهان يناقض منطق السياسة، كما يناقض دروس التاريخ.
ويبقى السؤال الأخير:
هل يحتاج لحراطين إلى حراك يطلب لهم الوظائف، أم إلى نضال يضمن لهم المواطنة الكاملة، والمساواة أمام القانون، وتكافؤ الفرص، والكرامة التي لا ترتبط باسم نظام ولا بعمر حكومة؟
ذلك هو السؤال الذي سيجيب عنه التاريخ... والتاريخ، كما نعلم، لا يجامل أحدا.



.jpeg)

.jpeg)