عن الجسور الرقيقة والغيوم الشقية

كان الجسر شامخاً، يبتسم بأسفلت ناصع لمسافري "طريق الأمل"، ينبض بالسلامة والانسيابية كما وعدت الوزارة الموقرة قبل ثلاثة أيام تماماً. كان إنجازاً تاريخياً بكل المقاييس الفنية، حتى إن العصافير كانت تمرّ فوقه بهدوء كي لا تجرح مشاعره الهندسية الرقيقة.
​في اليوم الرابع، قررت سحابة خفيفة أن تمزح مع البلدية. ألقى المطر بضع قطرات خجولة، ليس بدافع الخبث، بل لمجرد إفشاء السلام. لكن الحافة الغربية الجنوبية للجسر، وكانت أكثر الحواف حياءً ورهافة، لم تحتمل هذا الغزل المائي المباشر، فقررت أن تنهار بوقار وتستلقي على التراب، معلنةً استقلالها الذاتي عن بقية المنشأة.
​هرع عمدة البلدية إلى المكان. نظر إلى الحافة المنهارة ببالغ الاحترام، ثم التفت إلى مكبرات الصوت وقال بنبرة ملؤها الحكمة: "إن هذا التضرر ليس إلا دليلاً على حيوية الجسر وتفاعله العاطفي مع البيئة! إنه إنجاز محلي ووطني مجيد، وعلينا أن نتفهم نهوضه وسقوطه، فقد أُنجز في ظروف استثنائية جداً... كأن تكون الخرسانة صلبة أكثر من اللازم أو أن يكون المطر سائلاً!".
​ولم ينسَ السيّد العمدة أن يطالب الشركة المنفذة بالإسراع في ترقيع الحافة المكسورة، معالجةً للحواف الثلاث الباقية، خوفاً من أن تغار من أختها الغربية وتلحق بها في الهاوية عند أول قطرة ندى قادمة. ونبّه الجميع إلى أن الوضع لا يحتمل التأخير، لأن أي تأخير قد يجعل الجسر كاملاً يهاجر إلى منطقة أخرى بحثاً عن طقس مشمس.
​في المساء، أصدرت الجهات المعنية بياناً شديد اللباقة تُهنئ فيه المسافرين على هذا التحول النوعي، وأكدت أن الفرق الهندسية صممت الجسر بتقنية "الانهيار الذاتي الذكي" لامتصاص صدمات الخريف، موضحة أن مستخدمي الطريق ودّعوا سنوات العرقلة، ليستقبلوا عصراً جديداً من القفز المظلي بالسيارات.
​أما عابرو طريق الأمل، فقد وقفوا على ضفة الجسر المكسور، يصفقون بحرارة للقطرات التي هزمت المشروع في سبعين ثانية، وحزموا أمتعتهم وهم يترجلون من سياراتهم بامتنان، متسائلين بفضول: كيف سيكون شكل "طريق اليأس" إذا كان هذا هو الأمل؟

 

رملة سيد احمد

أحد, 09/08/2026 - 21:31