حين اصطدم حلم سنغور بصرامة الدولة.. قصة الرسالة التي دافعت عن حدود موريتانيا

في مطلع سبعينيات القرن الماضي، لم يعد ليوبولد سيدار سنغور يكتفي برئاسة السنغال؛ بل أراد أن يجعل من الثقافة حدًّا، ومن الضفة امتدادًا طبيعيًا لإرث إفريقي. لم يكن حلمه جغرافيًا بقدر ما كان وجوديًا؛ ففي نظره، كان نهر السنغال يشكل استمرارية حضارية. ومن هنا جاءت عبارته التي كان يعتقد أنها حاسمة: «من يقول الضفة اليسرى، يقول الضفة اليمنى»، وكأن البداهة الجيوشعرية تكفي لإعادة رسم الحدود القانونية الموروثة عن الاستعمار.

غير أن هذا الحلم، المشبع بالجماليات والذاكرة الإثنية، اصطدم بتصور آخر: تصور دولة موريتانية خرجت من مرحلة توتر علاقاتها مع فرنسا وهي تتمسك بسيادة عقلانية موثقة، صيغت على سندان القانون الدولي والتاريخ الإقليمي.

في عام 1974، وجّه سنغور رسالة إلى المختار ولد داداه. كانت مهذبة، عميقة، ومصاغة بلغة مثقف، لكنها تضمنت مطالبة شديدة الحساسية: ضم نهر السنغال بأكمله، فعليًا، إلى السنغال، بما في ذلك مناطق من الضفة اليمنى مثل جزيرة تود وقرية سلسال.

كان التوقيت دقيقًا. فقد كانت موريتانيا قد بدأت للتو في الابتعاد عن باريس، واتخذ الرئيس ولد داداه سلسلة من القرارات التي أثارت استياء القوة الاستعمارية السابقة. وفي تلك الظروف، رفضت فرنسا تمكين موريتانيا من الوصول إلى الأرشيف الاستعماري، ولا سيما الوثائق المتعلقة بترسيم الحدود بين المستعمرات.

وهنا كانت تكمن العقدة: فمرسوم عام 1933، الذي كثيرا ما استند إليه القانونيون السنغاليون، بدا وكأنه ينقل الحدود بصورة مصطنعة إلى الضفة اليمنى. غير أن هذا المرسوم، القابل للطعن في أساسه والذي أصبح متجاوزًا من حيث التطبيق، لم يوضع موضع التنفيذ قط.

 

 

ومن هنا تبدأ الرواية المضادة

 

رسالة في مواجهة إعادة رسم الحدود

 

في مواجهة هذه المحاولة لإعادة تعريف الحدود، لم يلجأ المختار ولد داداه إلى احتجاج علني ولا إلى التهديد العسكري. اختار أحد أشد أسلحة الدول ذات السيادة فعالية: الرسالة المحكمة الصياغة.

لكنه لم يعهد بهذه الرسالة إلى أي شخص. فقد كلف بإعدادها محمد عالي شريف، الأمين العام للرئاسة، المثقف الذي تلقى تكوينه في السوربون وجامعة بوسطن بولاية ماساتشوستس، ورجل القانون والأناقة الفكرية.

كان ولد داداه يدرك أن الرد على شاعر يحتاج إلى شاعر آخر، لكن من فئة القانونيين والأرشيفيين وصناع الحقيقة. وفي صفحات قليلة، سيتولى محمد عالي شريف تفكيك حلم سياسي، وإعادته إلى صرامة النصوص وذاكرة المعاهدات وأخلاقيات الحضارات.

لكن قبل ذلك بوقت طويل، كان وزير الداخلية عبد العزيز صال، وهو وطني من طراز زمن آخر، قد أنجز عملا لافتًا. ففي المؤتمر الوزاري المشترك المنعقد في سان لويس في يناير 1971، ترأس الوفد الموريتاني الذي ضم حاكم المنطقة السادسة غانديغا غي، وقنصل موريتانيا في دكار، وأحد عشر موظفًا من أعضاء الوفد.

جمع صال النصوص والوثائق واستخرجها من الأرشيف، وحدد نقاط ترسيم الحدود، وأشرف على إعداد محضر التحديد.

كما ساهم أبيل كامبورسي، إلى جانب مسؤولين سامين آخرين في ديوان رئاسة الجمهورية وعدد من الوزراء والسفراء، في عمل طويل ودقيق للبحث وجمع وترتيب وثائق ضخمة بلغ حجمها عدة آلاف من الصفحات.

وشكلت هذه المادة الواسعة القاعدة الوثائقية التي استند إليها محمد عالي شريف لاحقًا، ليمنحها بقلمه تماسكها وقوتها وصيغتها النهائية.

 

 

هندسة قانونية وتاريخية

 

لم تكن الرسالة التي صاغها محمد عالي شريف مجرد وثيقة دبلوماسية، بل كانت بناءً نصيًا متعدد المستويات.

على المستوى القانوني، أثبتت الرسالة، استنادًا إلى المصادر، أن خط الثالويغ (Thalweg)، أي الخط الأوسط للمجرى الملاحي للنهر، يمثل الأساس المعترف به في القانون الدولي للأنهار، وأن مرسوم 1905، وليس مرسوم 1933، هو الذي يشكل الأساس القانوني الصحيح.

وعلى المستوى التاريخي، بينت كيف أبرمت إمارتي الترارزة ولبراكنه معاهدات مع الأوروبيين لتنظيم التجارة والملاحة على ضفتي النهر، بما يشهد على سلطتهما الفعلية.

أما على المستوى الأرشيفي، فقد استعرضت الرسالة قرارات ومناشير ومراسيم تطبيقية منشورة في الجريدة الرسمية لإفريقيا الغربية الفرنسية، تقر ضمنيًا بتقاسم السيادة بين المستعمرتين على النهر.

وعلى المستوى الفقهي، استحضرت مؤتمر فيينا ومؤتمر برلين والمعاهدات الفرنسية البريطانية المتعلقة بغرب إفريقيا، لإثبات ثبات مبدأ الثالويغ في الممارسة القانونية الاستعمارية.

ثم يأتي المستوى الأخير: المستوى الرمزي، وهو الذي هز سنغور.

 

 

عندما واجهت الثقافةُ الثقافةَ

 

كان سنغور، وهو يلعب الورقة الثقافية، يتحدث عن «شعوب من أصل واحد» على جانبي النهر، مستندًا إلى قربها الإثني لتبرير سيادة مشتركة.

فجاء رد محمد عالي شريف بتفكيك بالغ البراعة لهذه الحجة. لم ينف وجود المشترك الثقافي، وإنما أذابه في رحابة الكوني.

وتحدث عن موريتانيا تكافلية، إفريقية زنجية وعربية بربرية في آن واحد، تحمل في النفس ذاته إرث إمبراطورية غانا وإرث المرابطين. ورفض الحدود الإثنية، واستحضر العربية بوصفها لغة مشتركة في إفريقيا الساحلية، وذكّر بأن الامتزاج التاريخي بين الشعوب ظل دائمًا يتحدى رسامي الخرائط.

ومن أعمق مقاطع الرسالة، نص يكشف بمفرده رفعة التفكير ودقة القلم:

«إن الأساسي بالنسبة إلينا، وهذا أمر جوهري، هو أن بلدنا كان ولا يزال أكثر من مجرد أرض تلتقي فيها حضارات مختلفة؛ إنه، بامتياز، المكان الذي تفتحت فيه تلك التكاملات السخية التي تشكل المنبع ذاته لأخلاقية الأخذ والعطاء، التي تولونها، وأنتم رجل ثقافة، وعن حق، أهمية محورية.»

ثم خلص إلى هذه العبارة التي تحمل نبرة الدولة:

«إن وطننا غير القابل للتجزئة سيتيح للجميع أن يزدهروا، أو لن يكون.»

 

 

«أعطوا ما لقيصر لقيصر»

 

ويقال إن سنغور عرض الرسالة على محيطه، وإن رئيس الوزراء عبدو ضيوف، وقد أدهشته، سأل عن كاتبها.

وبعد أسابيع، وخلال اجتماع لمجلس الوزراء، وفي ذلك الصمت الرسمي الذي تصبح فيه لكل كلمة مسؤولية دولة، طلب المختار ولد داداه من محمد عالي شريف إحضار الرسالة. نفذ الأخير الطلب، ولما عاد قال له الرئيس ببساطة:

«اقرأ.»

وبدأ محمد عالي شريف قراءة الرسالة بصوت مرتفع. ومع توالي عباراتها، تحول انتباه الوزراء إلى إعجاب. فما كانوا يستمعون إليه تجاوز الحدود المألوفة للمراسلات الرسمية: دقة دبلوماسية تتزاوج مع أناقة أدبية، وحزم الدولة يتجلى في لغة نادرة الرفعة، وكأن كل كلمة وُزنت بعناية قبل أن تُسلَّم إلى التاريخ.

وعندما انتهت القراءة، لم يخف الوزراء إعجابهم بنص بدا لهم قطعة حقيقية من أدب الدولة.

عندها التفت المختار ولد داداه إلى أعضاء المجلس، وأشار إلى محمد عالي شريف، وأشاد به علنًا قائلا:

«محمد عالي هو الذي حرر هذه الرسالة. وهنا ينبغي أن نعطي لقيصر ما لقيصر.»

لكن محمد عالي شريف، وفاءً لذلك التواضع الذي كثيرا ما يلازم أصحاب الأقلام الكبيرة، لم يشأ أن يتوقف الثناء عند شخصه، فأجاب الرئيس:

«السيد الرئيس، هذه الرسالة، لو لم تحمل توقيعكم، لما كانت تساوي الكثير. وما دمتم قد وقعتموها، فقد أصبحت رسالتكم.»

كان الرد بمستوى التكريم. المختار ولد داداه أعاد إلى الكاتب أبوة الكلمات، ومحمد عالي شريف أعاد إلى الرئيس مسؤولية الفعل وعظمته.

وبين الرجلين تجلت رؤية معينة لخدمة الدولة: أحدهما يعرف كيف يعترف علنًا بفضل من أمسك بالقلم، والآخر يدرك أن موهبة المحرر، في شؤون الجمهورية، تتوارى أمام سلطة من يُلزم الأمة بتوقيعه.

وفي زيارة لعبدو ضيوف إلى نواكشوط، أسرّ إلى عالي شريف بعبارة ذات حدين:

«لقد اطلعنا على رسالتكم… وقد ساعدتنا هي أيضًا على تهدئة الأمور.»

 

 

عندما تصبح الكتابة دفاعًا عن السيادة

 

ما تثبته هذه الرسالة هو أن السيادة ليست مسألة قوة فحسب، بل مسألة بناء ومؤسسات. فالدولة ذات السيادة هي دولة قادرة على الكتابة. وحين تتعرض لهجوم ليس عسكريًا، بل مفاهيميًا، فإنها لا ترد بالانفعال، وإنما بالذكاء والدقة والشرف.

لقد اصطدم حلم سنغور بسد لم يكن يتوقعه: صرامة مثقف يعمل في الظل، هو محمد عالي شريف، مسلحًا بالمعاهدات والذاكرة والمبادئ وبإحساس عميق بالتوازن بين الحضارات.

لم يغير نهر السنغال مجراه، لكن تلك الرسالة غيرت دلالته. ولزمن طويل.

وفي إفريقيا التي تغريها أحيانًا العاطفة الجيوسياسية، ذكّرت موريتانيا، في ذلك اليوم، بحقيقة تأسيسية: الدولة التي تعرف كيف تقرأ أرشيفها، وتكتب رسائلها، وترسم حدودها بقلم مغموس في الحكمة، هي دولة لا تنجرف سيادتها أبدًا.

 

محمد ولد الشريف

ترجمة: أقلام

اثنين, 10/08/2026 - 23:13