
في جمهورية تُشيد خيامها عند ملتقى الكثبان والرمال، ليست الحرية مجرد مفهوم سياسي، بل هي لعبة شطرنج قديمة تُدار بانتظام، لكن بقواعد تتغير مع كل رتبة عسكرية تهبط في القصر الرئاسي. واليوم، يأتي دور الضابط المتقاعد ولد معيوف ليكتشف أن خروجه من الخدمة المسلحة لا يعني إعفاءه من "واجب الصمت الكوني"، وأن النياشين القديمة لا تمنح حصانة لو قرر صاحبها استخدام لسانه بدلاً من البندقية.
تاريخ حرية التعبير في موريتانيا يشبه إلى حد كبير شريطاً سينمائياً يتكرر، تتغير فيه أسماء الأبطال وتتعدد الزنازين والنتيجة واحدة. منذ فجر التأسيس مع المختار ولد داداه، كانت الكلمة المخالفة تُعامل كدخول غير مصرح به إلى منطقة استراتيجية، فكان مصير قادة الفكر والسياسيين أمثال أحمد بابا مسكه وغيره الانتقال بين المنافي وشبه الإقامات الجبرية، تحت شعار "يبدأ الوطن حيث ينتهي الاعتراض".
ثم جاء عصر "البيادة" الثقيلة، وأصبح للرأي وزنٌ يُقاس بعيار الرصاص. ففي عهد محمد خونا ولد هيدالة، كانت الهمسة في مقهى قد تقود صاحبها مباشرة إلى المعتقلات الصحراوية، حيث تُزرع الأفكار وتُدفن في الرمال المتحركة. ولم يتغير المشهد كثيراً مع قدوم معاوية ولد الطايع، بل تطورت الفنون الساخرة للرقابة؛ فبينما كانت الصحف تخرج بصفحات بيضاء مصادرة في اللحظة الأخيرة من المطبعة، كان سجناء الرأي من سياسيين وإسلاميين ويساريين يكتشفون زوايا سجن "ولاته" وسجن "جريدة"، ليدونوا تاريخ البلاد خلف القضبان.
ومع تبدل الرؤساء والأنقلابات، دخلت البلاد عصر التعددية وشعارات الشفافية، فارتفع السقف الساخر: "تحدث كما تشاء، وسنفعل ما نرى!"، مع شرط بسيط يخفى على الكثيرين: "الخطوط الحمراء مطاطية جداً وتتسع لتشمل كل شيء في أي لحظة". وهكذا تذوق السجن صحفيون، ومدونون، ونشطاء حقوقيون كـ بيرام ولد داه عبيد ، وحتى بعض رجال الدين والمفكرين الذين ظنوا أن هامش الحرية قد يتسع لقليل من النقد.
واليوم، ينضم ولد معيوف إلى القائمة التاريخية لسجناء الكلمة، ليثبت أن دائرة الرأي في نواكشوط تتسع للجميع من شتى الخلفيات، حتى العسكريين السابقين. نسي العقيد المتقاعد أن في موريتانيا يمكنك نقد أسعار السمك وتقلبات الطقس وخطط المنتخب الوطني، لكنك حين تلامس أوتر النقد السياسي الحساس، تكتشف أن الحرية تتحول فجأة من حق دستوري إلى مغامرة غير محسوبة العواقب.
تكتمل الدائرة الساخرة في تاريخ شنقيط الحديث: يتبادل الجميع الأدوار في مسرحية الرأي والرأي الآخر، وتبقى حرية التعبير كسراب الصحراء، يراه الناظر ديمقراطيةً ساحرة من بعيد، حتى إذا حاول الارتواء منها، وجد نفسه يجلس في غرفة الانتظار ذاتها مع كل من سبقوه إلى السجن بسبب "وجهة نظر".
رملة سيد احمد
كاتبة ومدونة



.jpeg)

.jpeg)