
إخوتي الأفاضل، أخواتي الفضليات،
أعلمُ أن بينكم أصحابَ محتوى متخصص نافع، قدّموا بعلمهم وخبرتهم فوائد جليلة للبلاد والعباد؛ فهؤلاء نقول لهم: زيدونا، ونسأل الله أن يكثر نفعكم ومتابعيكم؛ لأن كثرة المتابعين هنا وسيلة إلى نشر العلم والخبرة والخير.
ولكن حديثي إلى من جعل كثرة المتابعين غايةً في ذاتها، وأراد منافسة أهل العلم والتخصص لا بالإنتاج النافع، وإنما بكثرة الكلام، وإثارة الجدل، وسلاطة اللسان، والخوض في كل فن، علمه أو جهله.
فلا تجعلوا عدد المتابعين والمشاهدات والإعجابات مقياسًا لقيمتكم، ولا تتحولوا إلى أسرى للتفاعل، حتى يصبح المرء مضطرًا إلى التعليق على كل شيء، والخوض فيما يعلم وما لا يعلم، ونشر الخاص والعام، وإشعال الخصومات الدينية والسياسية والاجتماعية والعرقية والجهوية والنقابية والقطاعية؛ لمجرد أن تبقى الصفحة حاضرةً والاسم متداولًا.
والأخطر أن ينتشي بعض الناس بأن الآخرين أصبحوا يخافون بذاءة لسانه؛ فيحسب خوفهم منه هيبةً، وسلاطة لسانه قوةً، وفحشه شجاعةً، ولعنه وطعنه في الناس وأعراضهم وأنسابهم بطولةً.
وما كل من خاف الناس لسانه كان مهيبًا؛ فقد يُتَّقى الإنسان مخافةَ شره، لا إجلالًا لقدره.
فأي مجد في أن يعرفك الناس بأنك أفحشهم عبارة، وأسرعهم إلى اللعن، وأجرأهم على الأعراض؟ وأي انتصار في أن تُسكت خصمك ـ أو من جعلته خصمًا ـ بالبذاءة حين تعجز عن إلزامه بالحجة؟
ثم قد يتضخم هذا الوهم حتى يرى المرء نفسه فوق الناس: قبيلته أشرف القبائل، وأصله خير الأصول، وأسرته أرفع الأسر، وهو في كل فن أعرف من أهله، وكأنه في خياله من «شعب الله المختار»؛ ثم ينصب نفسه قاضيًا على الخلق، يفتش سرائرهم، ويزن إيمانهم، ويوزع عليهم أحكام الفسق والضلال والكفر، بل والجنة والنار!
مهلًا!
لقد قال رسول الله ﷺ لابنته فاطمة رضي الله عنها، وهي من هي قربًا ونسبًا:
«يا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئتِ من مالي، لا أُغني عنك من الله شيئًا».
فإذا كانت فاطمة رضي الله عنها، بضعةَ سيد الخلق ﷺ وأقربَ الناس إليه نسبًا، قد قيل لها: «لا أُغني عنك من الله شيئًا»، فبأي نسبٍ بعد هذا النسب يتعالى متعالٍ؟ وبأي قبيلة أو أسرة أو حسب يغتر مغتر؟
والأمر نفسه في الانتساب إلى المدارس والمذاهب والجماعات والطرق والتيارات والاتجاهات؛ فليس مجرد الاسم صكَّ نجاة، ولا مجرد الانتساب شهادةً من السماء بصحة كل قول وفعل.
سمِّ نفسك سلفيًّا أو صوفيًّا أو أثريًّا، وانتسب إلى مذهب أو طريقة أو مدرسة أو تيار سياسي أو اجتماعي؛ فالاسم لا يعصم صاحبه، والعصمة للأنبياء وحدهم عليهم الصلاة والسلام.
والحق لا يصبح حقًّا لأن جماعتنا قالته، كما أن الباطل لا يصبح حقًّا لأننا أحببنا قائله، ولا يصبح الحق باطلًا لأن خصومنا قالوه. وقد تختلف الاجتهادات وتنـزيل الأحكام باختلاف المسائل والسياقات والأحوال؛ أما العدل وطلب الحق فواجبان مع الموافق والمخالف.
وأخطر العصبيات أن يحتكر المرء الهداية لنفسه وطائفته، فيتوهم أن مدرسته وحدها تمثل الإسلام كله، وأن جماعته وحدها على الحق في كل مسألة، وأن كل من خالفها ضال؛ ثم يختزل الفرقة الناجية في الاسم الذي ينتسب إليه، كأن شهادات النجاة قد كُتبت لأفراد جماعته بأسمائهم!
قال تعالى:
﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾.
فالنجاة ليست شعارًا يُرفع، ولا اسمًا يُضاف إلى الحساب، ولا مدرسةً تُكتب في التعريف الشخصي؛ وإنما إيمان وتقوى وإخلاص واتباع للحق، والحكم لله وحده:
﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾.
وكما أن العصبية للقبيلة جاهلية حين تعمي صاحبها عن العدل، فإن العصبية للمذهب أو الطريقة أو المدرسة لا تصبح فضيلةً لمجرد أنها لبست ثوب الدين؛ بل قد تكون أشد خطرًا حين يظن صاحبها أن تعصبه عبادة، وظلمه لخصمه غيرة، وبذاءته نصرةً للسنة، وطعنه في المسلمين دفاعًا عن العقيدة.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
فليس الميزان: مَن معنا ومَن ضدنا؟
وإنما: أين الحق؟ وأين العدل؟ وماذا سأقول لله إذا وقفت بين يديه؟
وتذكّر قبل أن تكتب، وقبل أن تتكلم، وقبل أن تسجل صوتية، وقبل أن تضغط زر النشر:
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.
وقال رسول الله ﷺ:
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت».
فلا تغتر بكثرة المتابعين، ولا بمن يصفق لك كلما شتمت، ولا بمن يشارك منشورك كلما فجرت في الخصومة، ولا تظن أن خوف الناس من لسانك شهادة قوة؛ فقد يكون شهادةً بأنهم لا يأمنون شره.
وراجع نفسك قبل أن يتحول الجدال إلى إدمان، والخصومة إلى هوية، والغيبة إلى محتوى، والبذاءة إلى شهرة، والتعصب إلى ديانة، والكبر بالنسب إلى جاهلية، والحكم على سرائر الناس وخواتيمهم إلى جرأة على الله.
أنت لا تعرف خاتمتك، فكيف تتألى على الله في خاتمة غيرك؟
﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾.
فخف على نفسك قبل أن تنشغل بالحكم على الناس، وفتش صحيفتك قبل أن تفتش أنسابهم وعقائدهم وسرائرهم.
ولا يكن أكبر همك:
كم شخصًا يتابعني؟ ومن يخاف لساني؟ ومن هزمت في الجدال؟
ولكن اسأل نفسك سؤالًا واحدًا أشد وأبقى:
هل أرضى أن ألقى الله بكل ما أكتب، وبكل ما أنشر، وبكل ما أقول وأسجل من صوتيات؟
فالناس يتابعونك زمنًا ثم ينصرفون، والإعجابات تختفي، والمشاهدات تُنسى، والأسماء والجماعات والقبائل تبقى وراءك، ولا يصحبك إلا عملك:
﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.
فلا تبحث عن هيبتك في خوف الناس من لسانك، ولا عن نجاتك في اسم جماعتك، ولا عن فضلك في نسبك، ولا عن قيمتك في عدد متابعيك؛
وابحث عن ذلك كله في صدقك مع الله، وعدلك مع خلقه، ونفعك للناس، وخوفك من اليوم الذي تقف فيه بين يديه فردًا.



.jpeg)

.jpeg)