
حسنًا، ها هي «الزيارة» قد انتهت… جولة قصيرة، ثم يعودون إلى نواكشوط. إن هذه الزيارات ظاهرة اجتماعية، بل مجتمعية. ولو أردنا ممازحة «الأب إيمانويل» (إيمانويل كانط)، لقلنا إن هذه الظاهرة (phénomène) آخذة، أمام أعيننا، في التحول إلى «نومين» (noumène)، أي إلى واقع قائم بذاته. لكن لا ينبغي لنا، أليس كذلك، أن نكون قطعيين.
سيكون من التبسيط المفرط أن نقول إن التعبئة التي ترافق تنقلات رئيس الجمهورية إلى داخل البلاد لا يعدو أن يكون مبررها التنافس القبلي (وهو موجود فعلًا)، أو تلك العقلية الزبائنية الاستعراضية التي تقوم على إظهار «الدعم» أملاً في الحصول على بعض المكاسب. يبدو أن «الزيارة» و«الاستقبال» أصبحا اليوم واقعًا بنيويًا في مجتمعنا، ولذلك ينبغي أن نفكر فيهما على هذا الأساس، بعيدًا عن التبسيط.
لكن، حسنًا، لقد غنّينا، ورقصنا، وجاء الرئيس، ورقصنا. ولا شيء يبرر أن نجبر الناس على الرقص، وأن نجعلهم يصرخون، وأن نغلق الأسواق، ونفرغ المدارس، ونصفّ الأطفال لكي نجبرهم على غناء ترهات. هذا إذلال. وكان روبليس يعرّف «الوطن» على نحو يقارب هذا المعنى: «إنه مكان يستطيع المرء أن يعيش فيه من دون أن يتعرض للإذلال أو يُذلّ غيره».
قد لا يتفق معي البعض، فالناس لا يتفقون معي أبدًا (ولا بأس في ذلك)، لكنني أعتقد أن ما يُفعل بالناس أثناء «الزيارات الرسمية» وغيرها من «التدشينات» أمر دنيء بكل بساطة. لا أعرف أي الحجج ينبغي استخدامها لإقناع مواطن بأن يأتي في اليوم الفلاني، وفي الساعة الفلانية، لكي «يستقبل بما يليق» (يا لها من عبارة!) هذا المسؤول (وهذه عبارة أخرى!) أو ذاك. ولا أعرف كذلك ما المسار الذي يقود هذا المواطن، الموريتاني الهادئ الذي يعيش نصف حياة في بلدة نائية منسية (لكنها تُستعاد لهذه المناسبة)، إلى التخلي عن كل أشكال الكرامة وتسليم نفسه فريسةً لزوار شبعوا أصلًا حتى التخمة.
إن «الاستقبالات» التي تعرضها لنا شاشات التلفزيون، بالطبول، والنساء الراقصات، والصارخ الهائج، والأطفال المنشّدين، والوجيه الذي يحيّي، هي تقليد استعماري. فعندما كان «القائد» يتكرم بزيارة بلدة من بلدات «دائرته» الاستعمارية، كان على السكان أن يُظهروا أنهم «يشعرون بقيمة التكريم الذي حظوا به» من خلال «التعبير عن فرحهم»، وهو أمر لم يكن سهلًا في موريتانيا، إذ كان الناس تقليديًا قليلِي التعبير عن مشاعرهم. وكانت هذه «الاستعراضات» دليلًا على «تعلّق السكان الأصليين بفرنسا».
وكان ذلك يجري، إلى حدّ ما، وفق منطق «اللغة الخشبية»: إجبار الناس على محو جزء كبير من شخصياتهم، والتنكر لذواتهم، إن صح التعبير، حتى لا يعودوا قادرين على أن يتصوروا أنفسهم أو يفكروا خارج النظام المهيمن. إنها تقنية لاستمالة الناس واحتوائهم عبر الإذلال. وفي الحقبة الاستعمارية أيضًا ظهر «الوجهاء». وكانوا «وجهاء» أولًا بفضل «علامات خارجية»، ولا سيما في ما يتعلق باللباس. ومن هنا، عند البيظان مثلًا، «دراعة الملگه» — أي دراعة الاستقبال — التي لم يكن المرء يرتديها إلا عندما يستقبل «القائد» أو أحد موظفي الإدارة الاستعمارية، أو عندما يكون هو نفسه مستقبَلًا عندهم.
قبل الاستعمار، لم تكن هذه «الاستقبالات» معروفة. ففي البداية، كان «الخاضعون للإدارة» هم الذين يذهبون في الغالب إلى «الإداري» (الأمير أو الشيخ)، وينزلون عنده، ويعرضون عليه مشكلاتهم. وعندما كان الأمير أو الشيخ يتنقل، لم يكن الأمر يتجاوز إطلاق زغرودة أو اثنتين لاستقباله، أو إطلاق وابل من الرصاص في الهواء. لم يكن الناس يتجمعون بين الخيام أو عند أبواب القصر لاستقباله، ولم يكن الرعاة يتركون قطعانهم، ولا الفلاحون حقولهم، وكانت القوافل تواصل رحلتها بهدوء.
ومع حصول بلدنا على الاستقلال، حلّ الحزب و «أب الأمة» محل «التعلّق بفرنسا». وكان ذلك عهد «الاستقبالات»: تعبيرًا عن «الدعم»، و«تكريمًا»، وفي هذا وذاك… عهد الفكر الواحد واللباس الواحد. وكانت «الجماهير الغفيرة المبتهجة» تأتي «عفويًا» لاستقبال «أب الأمة»، فتنتج عن ذلك تعليقات إلزامية من قبيل: «شيوخًا وشبابًا، رجالًا ونساءً وأطفالًا، وقد ارتدوا أجمل ما لديهم من ثياب، أبوا إلا أن يأتوا للتعبير عن امتنانهم للأب المؤسس للأمة وللقيادة الوطنية». وهكذا أصبحت الصورة التي احتفظ بها عن حزب الشعب الموريتاني هي صفّ من الدراعات المكوية، على خلفية من الطبول، وروائح المشوي، وصراخ مكبرات الصوت الرديئة.
ولم يغيّر العسكريون الذين خلفوا «أب الأمة» شيئًا من هذا «التقليد». وكذلك لم يفعل «الانفتاح الديمقراطي». واليوم لم يعد أحد يستغرب أن يرى سكان المذرذرة، وبوكادوم، والنعمة، وامبود، أو تزكرز، وهم «يعبّرون عن تعلقهم بالقيادة الوطنية». ماذا يمكن أن يفكر فيه الرئيس، أو الوزير، أو الوزير الأول، أو المدير، أو رئيس المصلحة الذي «يُستقبل»؟ ماذا يقول لنفسه وهو يلوّح بيده ويتصبب عرقًا تحت قميصه الذي يبلغ ثمنه 380 فرنكًا فرنسيًا؟ هل يمكن أن يخطر بباله، ولو للحظة، أن هؤلاء الناس «هنا من أجلي وحدي، لأنهم سعداء برؤيتي، لأنهم يحبونني»؟
هل سيصدق، في غمضة جفن، أن وصوله حدث أهم من عودة ناقة ضائعة، عادت لتضع مولودها؟ وهل وصوله أهم من المطر؟ أفيجرؤ على أن يقول لنفسه إن هذا هو «الكرم الموريتاني»؟ أين رأينا أناسًا يقفزون ويصرخون ويتذللون ويصومون يومًا كاملًا من أجل الترحيب بغرباء؟ وهل يشعر الرئيس، أو الوزير، أو الوزير الأول، أو المدير، أو رئيس المصلحة، بأنه «أعلى» من هؤلاء الناس لأنه اغتسل قبل أن يخرج، ولأنه يعيش في الظل؟
فلنفكر لحظة في تلك الأوقات التي يأتي فيها سكان منطقة ما، تحت الضغط وأحيانًا تحت التهديد، لكي «يعبّروا عفويًا» عن فرحهم، ويعلنوا عشقهم لشخص من «الحكومة» مرّ بهم، ثم يتوقفون قبل أن يطلبوا يده للزواج. يحدث هذا غالبًا أثناء «زيارة» أو «تدشين مشروع». والزيارات تُنظّم لأسباب لا يعرفها أحد على وجه الدقة، إذ لم يفكر أحد يومًا في أن يكون لها أي هدف حقيقي. وتُستغل هذه الزيارات، في الغالب، لإلقاء خطب يُشاد فيها بـ«الإنجازات» التي جرى «تدشينها». أما «التدشينات»، بدورها، فتُستخدم للتذكير بأننا، خلال «الزيارة» الأخيرة، وعدنا بـ«إنجاز» ما نقوم اليوم بـ«تدشينه».
وهذا يقود إلى طرح أسئلة لا ننتبه إليها في الغالب: ما وظيفة الدولة؟ وما وظيفة الحكومة؟ أنظر إلى الطرق التي تُشيّد، وإلى كهرباء المدن، وإلى مشروع القمر الصناعي المحلي «دومسات»، وإلى المدارس… وأقول: حسنًا! وبعد أن أقول: حسنًا! أسأل: ما الذي يستحق الاحتفال هنا؟ أين الحدث الاستثنائي؟ لماذا تنظر السكان إلى أبسط طاولة ومقعد مدرسي باعتبارهما فضلًا خارقًا، وإلى كل كيلومتر من طريق معبّدة باعتباره علامة تجعلهم يظنون أنهم «الشعب المختار» لدى سياسيي نواكشوط؟
أهذه الدولة، التي لا تبرر وجودها إلا ببناء الطرق والمدارس وتجهيز البلاد وتزويدها بما تحتاج إليه، في حالة احتضار إلى هذا الحد، حتى يتعين علينا أن نهتف بالمعجزة عند كل حركة صغيرة تقوم بها؟ أرفض أن أصدّق، رغم كل ما توحي به الظواهر، أن «المسؤولين» لا يشغلون مناصبهم إلا لتقاضي الرواتب، والاستفادة من امتيازات الوظيفة، والسرقة من هنا، واقتناص ما يمكن من هناك، والتصفيق للآخرين وجعل الآخرين يصفّقون لهم. لا بأس أن نصفق للحكومة عندما تبني المدارس والطرق، لكن ينبغي لنا أيضًا أن نصفق لها عندما تتنفس، وعندما تمشي، وعندما تأكل؛ وفي الحالة الأخيرة، سيكون علينا أن نصفق بلا توقف حتى نواكب إيقاعها.
لقد حان الوقت لوضع حد للممارسات الاستعمارية التي تحكم حياتنا السياسية. صحيح أن الاستعمار كان «المنهج السياسي» الوحيد المنظم الذي عرفته بلداننا قبل الاستقلال، وأن حكامنا المتعاقبين لم يفعلوا سوى مواصلة هذا النظام، بطريقة أو بأخرى. وسلوكهم — جسديًا ومعنويًا — يؤكد لنا، على مرّ السنين، استمرار هذه الحالة؛ بدءًا من أكبر «مسؤول» وصولًا إلى أصغر حاكم مقاطعة، الذي يبدو أشبه بساتراب satrape حقيقي من ساترابات العصر الحديث. نعم، لقد حان الوقت لكي «نحرر احتفالاتنا من الاستعمار»، وأن نفكر في أنفسنا، وأن نتوقف عن إذلال أنفسنا بأنفسنا.
*كتب هذا المقال بمناسبة زيارة أداها معاوية ولد الطايع إلى كوركول 1997.
ترجمة: الشيخ مزيد
أقلام



.jpeg)

.jpeg)