
حين أعاد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قبل أيام إلى النقاش في أطار، السؤال الذي طرحه الرئيس الأسبق المختار ولد داداه قبل الاستقلال، كان على الموريتانيين أن يستعيدوا لحظة انشغل خلالها مؤسسو بلادهم بالبحث فيها عن شكل الدولة التي سينشئونها وعن موقعها بين جيرانهم. غير أن أكثر من ستة عقود من الحكم والإدارة والتنمية تجعل طرح السؤال اليوم مختلفا؛ فالدولة قد أصبحت قائمة بمؤسساتها وحدودها وعلاقاتها، وبالتالي أصبح في وسعنا أن نسأل عن طريقة عملها، وعن قدرتها على الاستجابة لتطلعات مجتمع بات أكثر شبابا وتحضرا، وعن الحصيلة التي وصلت إلى المواطنين من ثروات البلاد وفرصها.
ومن جانبنا، نرى أن المشاركة في هذا النقاش تقتضي النظر إلى ما وراء تعداد الطرق والمدارس والمستشفيات وفرص العمل التي يحتاج إليها المواطنون. فهذه المطالب ملحة بالفعل، لكن تحقيقها يرتبط كذلك بطريقة توزيع السلطة، وبقدرة البرلمان والقضاء والإدارة على أداء وظائفها، وبالخيارات التي تحكم الاقتصاد والإنفاق العام. وإذا أردنا للسؤال أن يساعدنا على تصور المستقبل، فعلينا أن نناقش نوع الدولة التي تستطيع إنجاز ما نطلبه منها، ومن يملك القرار فيها، ومن يحاسب على نتائجه؟
أي جمهورية نريد أن تحكمنا؟
تبدأ مراجعة الدولة من العلاقة بين السلطة والمسؤولية، لأن المحاسبة تفقد وضوحها حين تتحمل مؤسسة أمام المواطنين أو البرلمان نتائج قرارات لا تملك سلطة كافية عليها. ويمنح النظام الدستوري الموريتاني رئيس الجمهورية موقعا محوريا في السلطة التنفيذية؛ فهو يعين الوزير الأول والوزراء، وتعمل الحكومة وفق توجيهاته واختياراته، بينما تبقى مسؤولة أمام الجمعية الوطنية. ويجعل هذا الترتيب تحديد الحدود الفعلية بين سلطة الرئاسة ومسؤولية الحكومة مسألة سياسية ومؤسسية تستحق نقاشا صريحا، تتصل بقدرة المواطنين على معرفة الجهة التي تقرر والسياسات التي يحق لهم محاسبتها عليها.
وقد يختلف الموريتانيون حول الصيغة الدستورية الأنسب، لكن أي اختيار ينبغي أن يحافظ على التطابق بين المسؤولية والصلاحية. فإذا كانت الحكومة تعرض برنامجا وتساءل أمام البرلمان عن السياسة الاقتصادية والاجتماعية والإدارية، وجب أن تملك الأدوات اللازمة لوضع هذه السياسة وتنفيذها. وإذا احتفظ رئيس الجمهورية بدور مباشر في تحديد اتجاهها، فينبغي أن تكون طبيعة هذا الدور وحدوده واضحة. ومن حق النقاش الوطني أن ينظر في تطوير النظام القائم نحو توزيع أكثر توازنا للسلطة التنفيذية، أو في صيغ دستورية أخرى، على أن يكون المعيار قدرة كل مؤسسة على أداء وظيفتها وخضوع من يحكم للمساءلة الفعلية.
ولن يصبح توزيع السلطة أكثر توازنا لمجرد تعديل العلاقة بين الرئاسة والحكومة إذا ما بقي البرلمان ضعيف القدرة على التشريع والرقابة. فالنائب يحتاج إلى الوقت والمعلومة والخبرة الفنية حتى يستطيع فحص مشروع قانون أو تقدير كلفة قرار مالي أو مساءلة الحكومة بشأن عقد أو مشروع كبير. ولذلك فإن الضرورة قائمة لتقوية عمل اللجان، وتوفير دعم مهني للدراسات والصياغة التشريعية وتحليل الموازنة، وتمكين المعارضة البرلمانية من استعمال أدوات التحقيق والاستماع والرقابة. ويمكن كذلك مناقشة الطريقة التي تمثل بها المناطق داخل السلطة التشريعية، سواء من خلال تطوير عمل الجمعية الوطنية أو البحث في وظيفة محددة لغرفة ثانية؛ ذلك أن جدوى أي تغيير في بنية البرلمان تقاس بما يضيفه إلى جودة القانون والرقابة وتمثيل المصالح الوطنية.
أما استقلال القضاء، فيختبر قدرة الجمهورية على وضع حدود للسلطة حين تمس حقوق الأفراد وحرياتهم. ويقرر الدستور هذا الاستقلال، لكن حمايته تتطلب النظر في تكوين المجلس الأعلى للقضاء، ورئاسته، ومعايير تعيين القضاة وترقيتهم ونقلهم وتأديبهم، ومدى حمايتهم من الضغط خلال مسارهم المهني. كما تستحق علاقة النيابة العامة بالسلطة التنفيذية ضبطا يتيح إعلان سياسة جنائية عامة تتحمل الحكومة مسؤوليتها، ويحمي في الوقت نفسه التعامل مع الملفات الفردية من التعليمات والتدخلات السياسية. وعلى النقاش أن يشمل القضاء الدستوري، لأن قدرته على حماية الدستور والحقوق تتأثر بشروط اختيار أعضائه وتوازن مصادر تعيينهم وسهولة الوصول إليه.
وتصل هذه الأسئلة إلى حياة المواطن اليومية عبر الإدارة العمومية، فهي التي تنفذ القانون، وتدير الموارد، وتبت في الملفات، وتحفظ الخبرة التي تحتاجها الدولة مع تغير الحكومات. ونرى أن بناء إدارة مهنية يقتضي جعل التعيين والترقية أكثر ارتباطا بالكفاءة، وتحديد المسؤوليات والنتائج المنتظرة، وإتاحة تتبع القرارات والتظلم منها. وعندما تمتلك الرئاسة والحكومة والبرلمان والقضاء والإدارة وظائف واضحة وحدودا معروفة، تصبح الدولة أكثر قدرة على العمل والمحاسبة والاستمرار مع تغير من يتولون قيادتها.
كيف تتوزع سلطة القرار بين العاصمة والداخل؟
سيظل إصلاح الحكم محدود الأثر إذا تغير توزيع السلطة داخل العاصمة وبقيت أدوات القرار والتمويل والخبرة متركزة فيها. وتظهر هذه المركزية في حياة المواطنين حين تتأخر الاستجابة لحاجة محلية لأن قرارها يصدر من بعيد، أو حين ينتخبون مجلسا لا يملك الموارد والاختصاصات اللازمة لمعالجة ما يواجه منطقتهم. لذلك نرى أن اللامركزية يجب أن تنقل سلطة فعلية يمكن للمواطنين مراقبتها، وأن تصاحبها موارد ومسؤوليات واضحة.
ويقتضي هذا التوجه التمييز بين وجود الإدارة المركزية في أنحاء البلاد وامتلاك المجالس المنتخبة سلطة القرار؛ فالوالي والحاكم والمصالح الجهوية يقربون الدولة من السكان، لكنهم يعملون ضمن تسلسلها الإداري. أما المجلس المنتخب فينبغي أن يملك اختصاصات يحدد في نطاقها الأولويات وينفذ القرارات ويحاسبه السكان على نتائجها. وتحتفظ الدولة بمسؤولياتها في الأمن والقضاء والسياسات الوطنية والمعايير الأساسية للتعليم والصحة، بينما تتسع مسؤولية الجهات والبلديات في التخطيط المحلي والمرافق والأسواق والنظافة والطرق الحضرية والتنمية الاقتصادية. وحيث تشترك الدولة والسلطات المحلية في خدمة واحدة، يجب تحديد وظيفة كل طرف وتمويلها بوضوح.
ولا يستطيع مجلس محلي أداء مسؤولية جديدة بقرار قانوني لا تصاحبه موارد وقدرات إدارية؛ لذلك فإن اللامركزية تحتاج إلى إيرادات محلية وتحويلات وطنية وفق قواعد معلنة، وإلى تضامن يحمي المناطق الأضعف من أن تتسع الفجوة بينها وبين المناطق الأوفر نشاطا وموارد. وفي مقابل هذه الصلاحيات، ينبغي نشر الميزانيات والصفقات ونتائج المشروعات، وإتاحة مساءلة المجالس المنتخبة. فغاية نقل القرار أن يعرف المواطن من يستطيع معالجة حاجته، وأن يجد أمامه مؤسسة قريبة تملك القدرة على العمل وتتحمل مسؤولية ما تفعل.
كيف نحول مواردنا إلى اقتصاد منتج؟
تملك موريتانيا موارد معدنية وزراعية وسمكية وغازية وطاقوية مهمة، لكن قيمة هذه الموارد ينبغي أن لا تختزل في عائدات التصدير أو ما تضيفه إلى معدل النمو. فالسؤال التنموي هو مقدار ما تنشئه حولها من عمل منتج وشركات وطنية ومهارات وخدمات وبنية اقتصادية تستطيع البلاد الاعتماد عليها حين تتغير أسعار المواد الأولية أو تتراجع عائداتها. ويمكن للاقتصاد أن يستقر ماليا بينما يبقى قليل التنويع، ضعيف القدرة على تشغيل الشباب وتحسين دخول العاملين فيه.
ومن هذا المنطلق، فإننا ندافع عن دور تنموي للدولة يختلف عن إدارة النشاط الاقتصادي كله من المركز، ويختلف كذلك عن ترك اتجاه التحول لقرارات السوق المنفردة. ففي بلد محدود القاعدة الصناعية والتمويل، تحتاج القطاعات الجديدة إلى بنية أساسية وتكوين وائتمان وتنظيم واستثمار أولي تتكامل فيما بينها. ويمكن للدولة أن تحدد مجالات تمتلك فيها موريتانيا فرصا جدية، وأن تنسق حولها هذه الأدوات، بينما تتنافس الشركات على الإنتاج والابتكار وتخضع لمعايير أداء واضحة. وتظهر جدوى هذا الدور حين تصبح المنشآت الوطنية أقدر على النمو، وحين تنشأ وظائف ذات إنتاجية أفضل.
وتضع المشروعات الكبرى هذا الخيار موضع الاختبار؛ فالحديد والذهب والنحاس والغاز والصيد والطاقة يمكن أن تخلق طلبا على النقل والصيانة والخدمات الهندسية والمعالجة والتصنيع والتكوين، إذا ما وجدت سياسة تربط الاستثمار بتأهيل الموردين الوطنيين ونقل المعرفة والمشتريات المحلية. ولا تكفي في هذا المجال نسب محتوى محلي تعلن على الورق؛ إذ ينبغي الحكم على السياسة بما تنشئه من شركات تستطيع تقديم خدمة جيدة والمنافسة بعد انتهاء المشروع الذي نشأت حوله. وينطبق معيار الوظيفة والأداء على المؤسسات العمومية، فنحافظ على دورها حيث تؤدي خدمة عامة أو مهمة تنموية لا يستطيع الاقتصاد الاستغناء عنها، ونراجع حوكمتها وكلفة إدارتها ونتائجها بصورة معلنة.
وتحتاج عائدات الموارد غير المتجددة إلى قرار سياسي ينظر إلى حق الأجيال المقبلة فيها. فالسؤال يتجاوز حجم ما يدخل الخزينة اليوم إلى مقدار ما يتحول منه إلى مدرسة جيدة، ومهارة، وبنية إنتاجية، واستثمار واحتياطيات تستطيع البلاد الاستفادة منها بعد تراجع المورد. ويقتضي ذلك أن تكون أولويات الإنفاق العام قابلة للنقاش والمحاسبة، وأن نربط المشروعات الكبيرة بأثرها الاقتصادي والاجتماعي داخل البلاد، بما في ذلك المناطق التي تتحمل كلفة النشاط الاستخراجي.
وتستدعي العلاقة مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي موقفا نقديا واضحا؛ فقد تساعد برامجهما على توفير التمويل ومعالجة اختلالات مالية، لكن نجاحها في ضبط المؤشرات لا يثبت قدرتها على بناء قاعدة إنتاجية أو خلق وظائف جيدة أو تقليص الفوارق. كما أن خيارات الدعم والضرائب والإنفاق العام ودور الدولة تحمل كلفة تتوزع بصورة غير متساوية بين المواطنين. لذلك ينبغي أن تناقش موريتانيا شروط هذه البرامج وآثارها وبدائلها من داخل تصور وطني للتنمية، وأن تراجع ما لا يحقق نتائج إنتاجية واجتماعية تقابل كلفته.
كيف تصبح الفرصة حقا لكل مواطن؟
تظهر عدالة الدولة في مقدار ما يستطيع الطفل أن يتعلم ويعمل ويتقدم بصرف النظر عن دخل أسرته ومكان إقامتها ونوع علاقاتها. وحين تختلف جودة المدرسة والرعاية الصحية وفرص العمل باختلاف ظروف النشأة، يعاد إنتاج التفاوت من جيل إلى آخر حتى لو قرر القانون مساواة الجميع في الحقوق. ولذلك نرى أن توسيع قدرة المواطن على بناء مستقبل أفضل يجب أن يكون غاية صريحة للسياسة العامة.
وتؤدي المدرسة العمومية الدور الأكبر في هذا المسار، لأن ضعف التعلم في سنواته الأولى يرافق التلميذ إلى الجامعة والتكوين والعمل. ونحتاج إلى معيار وطني واضح لجودة المدرسة يشمل المدرس المؤهل والزمن التعليمي والتجهيز والنتائج التي ينبغي أن يحققها التلاميذ أينما درسوا. ويتطلب الإنصاف توجيه موارد إضافية إلى المناطق والمدارس التي تبدأ من وضع أضعف، لأن توزيع الموارد بالتساوي على أوضاع شديدة التفاوت قد يبقي الفجوة قائمة. وينبغي أن يرتبط التعليم والتكوين كذلك بفرص اكتساب مهارات تتيح للشباب دخول مجالات العمل الجديدة والتقدم فيها.
ويمتد الحق في الفرصة إلى مستوى أساسي من الرعاية الصحية يستطيع المواطن توقعه أيا كان دخله أو مكانه، وإلى حماية اجتماعية تساعد الأسر على مواجهة المرض والعجز والشيخوخة وفقدان الدخل والصدمات الاقتصادية. ويظل توجيه الموارد الإضافية إلى الأكثر حاجة ضروريا، على أن تتسع القاعدة التي تحمي المواطن من التحول السريع من الاستقرار إلى الهشاشة. ولا يتحقق أثر هذه الخدمات إذا بقي الحصول على الوظيفة أو المنحة أو التمويل أو الأرض أو السكن الاجتماعي متوقفا على الوساطة؛ لذلك يجب إعلان معايير الاستفادة وإتاحة تتبع القرارات والتظلم منها، حتى ترتبط علاقة المواطن بالدولة بحق معلوم وإجراء يمكن مراجعته.
كيف نبني مواطنة تتسع للجميع؟
تحتاج موريتانيا إلى رابطة وطنية تفسح مجالا لتعدد لغاتها وثقافاتها وانتماءاتها، وتضمن في الوقت نفسه ألا يختلف وصول المواطنين إلى الحقوق بسبب أصولهم أو مواقعهم الاجتماعية.ويقرر الدستور المساواة أمام القانون، ويعترف بالعربية والبولارية والسوننكية والولفية لغات وطنية، مع العربية لغة رسمية؛ غير أن الحكم على هذه المبادئ يبدأ من حضورها في المدرسة والإدارة والخدمات والفرص المتاحة للناس.
وقد تتساوى الحقوق في نص القانون بينما تتفاوت القدرة على ممارستها بسبب الفقر أو المكان أو آثار التمييز والتراتبيات الاجتماعية. ولذلك فإن ما نقترحه في هذا المجال هو قاعدة موحدة للمواطنة تقترن بسياسات تعالج الحرمان حيث يوجد وتتابع نتائجها، ومعالجة المظالم التاريخية بإنصاف المتضررين وتطبيق القانون وحفظ الذاكرة وتوسيع فرص التعليم والعمل والمشاركة. فبناء الثقة يتطلب أن يشعر المواطن بأن الدولة تعترف بما مس حقوق المواطنين، وأن إجراءاتها الحالية تفتح لهم طريقا أكثر عدلا إلى المستقبل.
وتحتاج السياسة اللغوية إلى عمل متدرج يمنح الوضع الدستوري للغات الوطنية مضمونا في التعليم والثقافة وبعض الخدمات حيث تتوفر الحاجة والقدرة، مع ترسيخ العربية لغة رسمية مشتركة. كما ينبغي إتاحة تعلم الفرنسية والإنجليزية وغيرهما من اللغات الأجنبية على أساس تعليمي منصف، حتى لا يصبح إتقان لغة أجنبية امتيازا تحسمه ظروف الأسرة والمدرسة. وتستطيع مدرسة تقدم تاريخ المجتمع بكل روافده أن تساعد الأجيال الجديدة على فهم تنوع البلاد، وأن تجعل الانتماء الوطني أوسع من الحدود التي رسمتها علاقات القوة والفرص في الماضي.
فالمواطنة تترسخ حين يستطيع الفرد الاحتفاظ بلغته وثقافته وانتماءاته، ويصل في الوقت نفسه إلى حقوقه من دون أن يحتاج إلى نفوذ تستمده هذه الروابط. ويظهر تقدم الدولة في هذا الاتجاه في طريقة تعامل مؤسساتها مع المواطنين، وفي مدى اعتمادها الحق والجدارة والحاجة الفعلية معايير واضحة لتوزيع الفرص.
كيف تجعل موريتانيا موقعها قوة في العالم؟
تضع الجغرافيا موريتانيا عند تقاطع الساحل والمغرب العربي وغرب إفريقيا والمحيط الأطلسي، لكنها لا تحول هذا الموقع وحده إلى قوة سياسية أو اقتصادية. ويتوقف الأمر على قدرة الدولة على تحديد مصالحها، وبناء الخبرة التي تحتاجها للدفاع عنها، واختيار شراكات تضيف إلى قدرتها الوطنية من دون أن تضيق هامش قرارها.
وتأتي علاقات الجوار في مقدمة هذه السياسة، لأن الساحل يرتبط بأمن موريتانيا من خلال الحدود وحركة المجتمعات والتجارة والممرات، إلى جانب المخاطر المسلحة. وتحتاج البلاد إلى الجمع بين حماية حدودها وتطوير علاقاتها الاقتصادية والبنى التي تصلها بأسواق المنطقة. وفي المغرب العربي، يمكن أن تنطلق علاقاتها بالجزائر والمغرب من مصالحها هي في الاستقرار وفتح الطرق والأسواق، مع المحافظة على قدرتها على التعاون معهما باستقلال عن خلافاتهما.
وينبغي أن تخضع العلاقات الأمنية مع الشركاء الخارجيين لمعيار واضح يتعلق بما تضيفه إلى القدرة الموريتانية المستدامة. فالتدريب والتجهيز يفقدان جانبا من قيمتهما إذا ظلت الوظائف الحساسة، مثل مراقبة الحدود والأمن البحري والأمن السيبراني وصيانة المعدات، معتمدة على خبرة لا تملكها البلاد. وينطبق المنطق نفسه على الشراكات الاقتصادية، التي ترتفع قيمتها حين تنقل المعرفة وتفتح الأسواق وتساعد الشركات الوطنية على أداء أدوار أكبر.
ويمنح المحيط الأطلسي موريتانيا فرصة إضافية عبر الموانئ والصيد والغاز والطاقة وربط عمقها الإفريقي بالبحر. لكن الممرات لا تصبح موردا وطنيا لمجرد عبورها البلاد؛ إذ إنها تحتاج إلى شبكات داخلية وخدمات وشركات وفرص عمل، وإلى قدرة الدولة على تنظيم حركة التجارة والطاقة بما يخدم مناطقها واقتصادها. ومن هنا تكتسب الدبلوماسية الاقتصادية معناها حين تبحث عن التمويل والتكنولوجيا والأسواق لخدمة أولويات تحددها موريتانيا بنفسها.
خاتمة
حين طرح الرئيس الأسبق، سؤال "أي موريتانيا نريد؟" قبل الاستقلال، تمثلت المهمة حينها في تأسيس دولة قادرة على تثبيت وجودها وتوحيد مجالها وبناء مؤسساتها. أما اليوم، فقد أصبح تاريخ هذه الدولة جزءا من السؤال نفسه؛ فما حققته يمنحنا أساسا نبني عليه، وما كشفته تجربتها من اختلالات يفرض علينا أن ننظر في القواعد والتفاهمات التي توزع السلطة والموارد والفرص. ولم يعد كافيا أن نسأل عما تستطيع الدولة إنجازه، ما لم نسأل أيضا كيف تتخذ قراراتها، ومن يحاسب على نتائجها، وإلى أي مدى تصل ثمارها إلى المواطنين في مختلف مناطق البلاد؟
ومن جانبنا، لا نرى في الاختلاف حول شكل النظام السياسي أو دور الدولة في الاقتصاد أو إدارة التنوع سببا لتأجيل هذا النقاش، وإنما مدخلا إلى جعله نقاشا ديمقراطيا حقيقيا. فنحن ندافع عن جمهورية تتناسب فيها السلطة مع المسؤولية، وتملك فيها المؤسسات القدرة على العمل وتخضع للمساءلة؛ وعن اقتصاد يحول الثروة الطبيعية إلى إنتاج وعمل ومعرفة، ويخضع خياراته الكبرى لحكم المواطنين على آثارها في حياتهم؛ وعن مواطنة يستطيع الفرد في ظلها أن ينال حقه ويبني مستقبله من دون أن يحدده أصله أو مكان نشأته أو نفوذه.
وإذا كانت لحظة التأسيس قد طرحت سؤال قدرة موريتانيا على أن تصبح دولة، فإن سؤال المرحلة الراهنة يتعلق بقدرتها على أن تصبح دولة أكثر عدلا وفاعلية، تحتفظ بوحدتها من خلال إنصاف مواطنيها، وباستقلال قرارها من خلال بناء قدراتها. وتكمن قيمة العودة إلى سؤال "أطار" في أن تتيح للموريتانيين مناقشة هذه الاختيارات علنا، وأن تجعل تصور الدولة المقبلة موضوعا للمنافسة السياسية والمحاسبة، بدلا من أن يبقى وعدا عاما يتفق عليه الجميع من دون أن تتضح طرق تحقيقه.
عبد الرحمن حمودي
رئيس حزب من أجل موريتانيا قوية



.jpeg)

.jpeg)