
كشفت الأمطار الأخيرة في نواكشوط مجددًا أن مشكلة المياه في العاصمة لم تعد مجرد تجمعات موسمية تعطل المرور لساعات، بل جزء من معادلة أكثر تعقيدًا تجمع بين ضعف تصريف مياه الأمطار، وارتفاع المياه الجوفية، وغياب شبكة صرف صحي شاملة، وهشاشة الحاجز الساحلي أمام مياه المحيط.
وتقر وزارة المياه نفسها بأن نواكشوط عانت لعقود من توسع عمراني سريع لم تواكبه بنية للصرف الصحي، وأن الشبكة القديمة لم تكن تغطي سوى جزء محدود من المدينة. ومع تكرار الأمطار وتسرب المياه، تشبعت التربة في عدد من المناطق المنخفضة وتحولت بعض الأحياء بصورة متكررة إلى برك ومستنقعات.
لكن الخطر لا يأتي من مياه الأمطار وحدها.
نواكشوط مدينة ساحلية منخفضة، وتحمي أجزاء منها عن المحيط كثبان رملية هشة. ويشير البنك الدولي إلى أن العاصمة معرضة في الوقت نفسه للفيضانات الناتجة عن الأمطار، وارتفاع منسوب المياه الجوفية، وتسرب مياه البحر، إلى جانب تآكل الحاجز الرملي الساحلي. كما سبق تحديد ثغرات في الشريط الرملي الواقي للعاصمة، وهو ما جعل حمايته وإعادة تثبيته جزءًا من البرامج المخصصة لمواجهة مخاطر الغمر البحري.
وتزداد المشكلة تعقيدًا بسبب الصرف الصحي المنزلي. فغياب شبكة حديثة وشاملة يعني أن جزءًا من المياه العادمة يُصرف محليًا إلى باطن الأرض، في مدينة تعاني أصلًا من ارتفاع المياه الجوفية. وقد أشار البنك الدولي إلى أن قصور معالجة مياه الصرف يزيد مخاطر تلوث المياه الجوفية ويضاعف هشاشة المناطق المنخفضة.
ولهذا تحاول الحكومة الانتقال من معالجة النتائج إلى إنشاء بنية دائمة. ويجري حاليًا تنفيذ المرحلة الأولى من مشروع الصرف الصحي في القطب «أ»، بتكلفة تقارب 177.6 مليون دولار ممولة من ميزانية الدولة. ويغطي المشروع تفرغ زينه ولكصر والسبخة وأجزاء من الميناء وتيارت، ويجمع لأول مرة على هذا النطاق بين شبكة للصرف المنزلي ومنظومة لتصريف مياه الأمطار.
ويتضمن المشروع أكثر من 100 كيلومتر من أنابيب الصرف، و29 محطة للرفع والضخ، ومحطة لمعالجة المياه العادمة بطاقة أولية تبلغ نحو 19 ألف متر مكعب يوميًا قابلة للتوسعة إلى 33 ألفًا، إضافة إلى نحو 15.7 كيلومتر من قنوات تصريف مياه الأمطار وخمس محطات ضخ مخصصة لها. ومدة الإنجاز المعلنة للمشروع 45 شهرًا.
غير أن المشروع، على أهميته، لا يغطي نواكشوط كلها. وهذا يعني أن أزمة الصرف لن تختفي بمجرد اكتمال القطب «أ»، ما لم تتبعه بقية مكونات الشبكة لتشمل الأحياء الأخرى، خصوصًا المناطق المنخفضة والأحياء التي توسعت بسرعة خارج التخطيط الأصلي للمدينة.
وفي موازاة ذلك، أطلق البنك الدولي والحكومة الموريتانية خلال 2026 مرحلة جديدة من برنامج WACA+ لحماية الساحل، تشمل تعزيز الحزام الرملي الذي يشكل أحد خطوط الدفاع الطبيعية عن نواكشوط ضد التآكل والغمر البحري وارتفاع مستوى البحر.
وهكذا تجد نواكشوط نفسها أمام ثلاثة مسارات للمياه تلتقي في مدينة واحدة: أمطار تبحث عن منافذ نحو الخارج، ومياه جوفية ترتفع من الأسفل، ومحيط أطلسي لا يفصل بينه وبين أجزاء من العاصمة سوى حاجز رملي حساس.
لذلك فإن صورة السيارات وهي تخوض المياه بعد كل مطر ليست سوى الجزء المرئي من المشكلة. التحدي الحقيقي هو بناء منظومة واحدة تجمع تصريف مياه الأمطار، والصرف الصحي، وإدارة المياه الجوفية، وحماية الساحل، بدل التعامل مع كل ملف بمعزل عن الآخر.
ففي مدينة بموقع نواكشوط وطبيعتها الطبوغرافية، لم يعد الصرف الصحي مجرد خدمة حضرية؛ بل أصبح جزءًا من منظومة حماية العاصمة نفسها.



.jpeg)

.jpeg)