نواكشوط 1958.. هل كانت هشاشة موقع العاصمة معروفة منذ البداية؟

أقلام - في مارس 1958، لم تكن نواكشوط المدينة التي نعرفها اليوم. لم تكن هناك شوارع مكتظة ولا أحياء تمتد عشرات الكيلومترات، ولا ميناء ولا شبكة طرق حضرية. كانت، بحسب تقرير نشرته صحيفة Le Monde آنذاك، مساحة من الرمال والشجيرات تتوسطها لافتات تشير إلى أماكن ستقام فيها مستقبلًا «الجمعية الإقليمية» و«المباني الإدارية» و«البريد».

كان الصحفي الفرنسي إرنست ميلسان يصف مدينة لم تولد بعد، تحت عنوان لافت: «اليوم لافتات في الصحراء.. غدًا عاصمة: نواكشوط». التقرير المنشور في 15 مارس 1958 يوفر اليوم وثيقة نادرة تسمح بطرح سؤال مختلف: عندما اختير موقع نواكشوط، هل كانت الخصائص التي تجعل العاصمة اليوم شديدة الهشاشة أمام المياه معروفة بالفعل؟

 

الجواب يحتاج إلى بعض الدقة.

 

فالوثائق القديمة تظهر أن انخفاض الموقع، وقربه من المحيط، وندرة المياه وغياب مواد البناء كانت كلها معروفة منذ البداية. لكنها لا تثبت أن خطر الغمر البحري والفيضانات بالشكل الذي نعرفه اليوم كان حاضرًا في حسابات المخططين بوصفه خطرًا رئيسيًا.

 

«بضعة أمتار فوق مستوى البحر»

 

يقدم تقرير Le Monde الصادر عام 1958 وصفًا شديد الدلالة لموقع العاصمة الجديدة.

فقد اختيرت نواكشوط بالقرب من قصر صغير مبني بالطين، فوق ما وصفته الصحيفة بـهضبة صغيرة تقع على ارتفاع بضعة أمتار فقط فوق مستوى البحر، وعلى بعد نحو أربعة كيلومترات من المحيط الأطلسي.

 

وكان للاختيار منطقه السياسي والجغرافي

 

فنواكشوط تقع بين شمال البلاد وجنوبها، وبين نواذيبو وسان لويس، وعلى محور الطريق الذي كان يربط السنغال بشمال إفريقيا. كما أن مناخها الساحلي كان أكثر اعتدالًا نسبيًا من مناطق الداخل.

وتوضح شهادات لاحقة لأحد المهندسين الذين شاركوا في تصميم العاصمة أن الموقع اختير كذلك لقربه النسبي من حوض إديني الجوفي، ولأنه يمثل منطقة وسطى يمكن أن تؤدي وظيفة رمزية في توحيد بلد يمتد بين فضاء صحراوي في الشمال ومناطق نهرية في الجنوب.

لكن أمام المشروع مشكلتين أساسيتين ذكرهما تقرير 1958 بوضوح: لا توجد تقريبًا مواد حجرية للبناء، والمياه نادرة.

وبعد عمليات بحث، عُثر على مصدر للمياه في اترارزة، لكنه كان يقع على بعد يزيد على خمسين كيلومترًا من العاصمة الجديدة. لذلك كان نقل المياه أحد أول المشاريع الأساسية اللازمة حتى تصبح المدينة قابلة للحياة.

مدينة صُممت لعشرات الآلاف.. فأصبحت مدينة المليون ونصف

ربما تكمن المفارقة الأكبر في الأرقام التي رافقت ولادة نواكشوط.

ففي 1958، كانت التوقعات التي نقلتها الصحافة الفرنسية تتحدث بتفاؤل عن وصول عدد سكان العاصمة بعد عشر سنوات إلى نحو 15 ألف نسمة.

أما التعداد العام للسكان والمساكن لعام 2023 فيضع عدد سكان ولايات نواكشوط الثلاث عند نحو 1.447 مليون نسمة. أي أن العاصمة تجاوزت اليوم بنحو مائة مرة تقريبًا الحجم الذي كان متوقعًا لها في السنوات الأولى من إنشائها.

 

 

ولم يحدث ذلك وفق توسع عمراني مخطط مسبقًا

فموجات الجفاف الكبرى، خصوصًا منذ أواخر الستينيات والسبعينيات، سرعت انتقال السكان من الريف إلى العاصمة، وتوسعت المدينة بسرعة كبيرة حول نواتها الأصلية. وهكذا تحولت مدينة أنشئت من الصفر إلى أكبر تجمع سكاني في البلاد خلال بضعة عقود.

وهذه الزيادة غير المتوقعة غيرت أيضًا طبيعة المخاطر التي يفرضها الموقع.

 

 

من «بضعة أمتار فوق البحر» إلى مدينة مهددة بالمياه

 

بعد نحو سبعة عقود من تقرير 1958، تصف برامج حماية الساحل نواكشوط اليوم بأنها إحدى أكثر عواصم غرب إفريقيا تعرضًا لمخاطر ارتفاع مستوى البحر والتآكل الساحلي.

وتشير بيانات برنامج إدارة المناطق الساحلية في غرب إفريقيا WACA إلى أن مناطق واسعة من العاصمة تقع على ارتفاع يتراوح بين صفر وأربعة أمتار فقط عن مستوى البحر. ويحميها من المحيط شريط من الكثبان الساحلية يمثل حاجزًا طبيعيًا أمام تسرب المياه.

لكن هذا الحاجز تعرض مع مرور الوقت لضغط كبير بسبب التوسع العمراني واستخراج الرمال واستخدام الساحل.

وقد أحصى برنامج WACA 21 ثغرة في الحاجز الرملي الساحلي لنواكشوط، بينها مواقع اعتبرت شديدة الخطورة وتحتاج إلى تدخل عاجل. وبدأت السلطات وشركاؤها بالفعل عمليات لإغلاق بعض هذه الثغرات واستعادة أجزاء من الكثبان.

 

ولا يتعلق الخطر بالمحيط وحده.

 

فنواكشوط تواجه في الوقت نفسه ارتفاع المياه الجوفية، وضعف قدرة التربة على تصريف المياه، والأمطار الغزيرة المفاجئة، ونقص شبكات الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار.

وقد وصف البنك الدولي هذه المعادلة قبل سنوات بأنها تجمع بين ارتفاع المياه الجوفية، وتسرب مياه البحر، والتربة المسامية، والتوسع العمراني والأمطار في المناطق المنخفضة.

 

 

هل أخطأ مؤسسو العاصمة في اختيار الموقع؟

 

من السهل، انطلاقًا من مشاكل نواكشوط الحالية، العودة إلى سنة 1958 والقول إن اختيار الموقع كان خطأ منذ البداية. لكن الوثائق لا تسمح بمثل هذا الحكم بهذه البساطة.

فالمخططون كانوا يعرفون أن المدينة قريبة من المحيط وأن ارتفاعها محدود، وكانوا يعرفون أيضًا مشكلة المياه وغياب مواد البناء. لكن الاعتبارات التي حكمت القرار كانت مختلفة: بناء عاصمة داخل الأراضي الموريتانية بدل إدارة البلاد من سان لويس، واختيار موقع متوسط جغرافيًا وسياسيًا، والعثور على مصدر مياه يمكن نقله إلى المدينة.

كما أن العاصمة التي كانوا يتصورونها لم تكن مدينة يقطنها قرابة مليون ونصف مليون نسمة.

ففي 1958، كان المشروع يتعلق بمدينة صغيرة نسبيًا. ولم يكن من السهل توقع موجات النزوح الريفي التي ستأتي لاحقًا، ولا الحجم الهائل للتوسع العمراني، ولا الضغوط البشرية التي ستتعرض لها الكثبان الساحلية، ولا بالطبع آثار ارتفاع مستوى البحر المرتبطة بالتغير المناخي بالشكل المعروف اليوم.

 

لذلك فإن السؤال ربما لا يكون: لماذا بُنيت نواكشوط هنا؟

 

بل: كيف تحولت مدينة خُططت لعشرات الآلاف من السكان إلى مدينة يقترب سكانها من مليون ونصف، من دون أن تتطور بنيتها المائية والساحلية بالسرعة نفسها؟

 

وثيقة عمرها 68 عامًا تعيد السؤال إلى الحاضر

 

تكتسب مقالة Le Monde لعام 1958 قيمتها اليوم لأنها تمنحنا صورة لنواكشوط قبل ظهور أول شوارعها تقريبًا.

مدينة من اللافتات وسط الرمال، تبعد أربعة كيلومترات عن المحيط، تقع على ارتفاع بضعة أمتار عن سطح البحر، وتواجه منذ اللحظة الأولى سؤال المياه.

 

 

بعد 68 عامًا، تغير كل شيء تقريبًا

 

أصبحت نواكشوط مدينة ضخمة، وصارت المياه تأتيها من مسافات بعيدة، وامتدت أحياؤها إلى مناطق لم تكن داخلة أصلًا في مخطط المدينة.

لكن المفارقة أن الماء الذي كان غيابه أحد أكبر تحديات نواكشوط سنة 1958 أصبح اليوم، بأشكاله المختلفة، أحد أكبر مصادر هشاشتها: مياه الأمطار من الأعلى، والمياه الجوفية من الأسفل، ومياه المحيط من الغرب.

وهنا تلتقي نواكشوط التي وصفتها الصحافة سنة 1958 بنواكشوط 2026: الموقع نفسه، لكن مدينة مختلفة تمامًا، وحجم من المخاطر لم يكن الذين وضعوا أولى لافتاتها في الصحراء يتصورونه على الأرجح.

 

سيد احمد

أحد, 27/09/2026 - 23:32