
في يوم السبت الموافق، 5 ذو الحجة من العام 338 هجري، كان أبو جعفر النحاس في جلسة تأملية على ضفاف النيل، عند درج قياس منسوب المياه، وكان يقوم بتقطيع أبيات من الشعر، وربما تمتم أثناء تقطيع تلك الأبيات بكلمات قد تبدو طلاسم للعامة، وربما رفع بها صوته مرددا: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعل.
أثناء جلسته تلك، مرَّ به شخص من عامة الناس، ظن أنه يسحر النيل، فركله، فسقط في النيل، فغرق، فمات.
هذا المشهد ليس تخيليا، حتى وإن كان من صياغتي أنا، فهو مأخوذ من مضامين القصة كما وردت في كتب السير والتراجم، فقد جاء في البداية والنهاية لابن كثير: "وكان سبب وفاته أنه جلس عند المقياس يُقَطّع شيئًا من العروض، فظنه بعض العامة يسحر النيل، فرفسه برجله فسقط فغرق، ولم يدر أين ذهب". وبصياغة مشابهة، وردت القصة نفسها في "سير أعلام النبلاء" و "تاريخ الإسلام" للإمام الذهبي، وفي "وفيات الأعيان" لابن خلكان، وفي "إنباه الرواة على أنباه النحاة" للقفطي، وفي "بغية الوعاة" للسيوطي.
هكذا ـ وبكل بساطة ـ قُـُتل أحد علماء الأمة الكبار في اللغة والأدب والتفسير، ممن كانت له تصانيف كثيرة، وإسهامات عديدة في مجالات شتى. ولو كان الجاهل الذي قتل هذا العالم الكبير، يعيش بيننا في زمن "التواصل الاجتماعي"، لأعدَّ بثا مباشرا من ركلته لأبي جعفر النحاس، ولحُظي بثته المباشر بسيل عارم من الإعجابات والتعليقات، ولصدَّق كثير من "النشطاء" في منصات التواصل الاجتماعي تهمة سحر النيل التي ألصقها هذا الجاهل بالعالم الجليل أبي جعفر النحاس.
إن هذه القصة المأساوية تتكرر كثيرا في أيام الناس هذه، وبصور مختلفة، حتى وإن اختلفت في بعض التفاصيل، فالركلة قد لا تكون اعتداءً بالقدم، وإنما قد تكون بمنشور أو صوتية أو بث مباشر مليء بالأكاذيب والتلفيقات، والقتل قد لا يكون جسديا، وإنما معنويا، من خلال تشويه السمعة وتلطيخ المصداقية، وتهمة المقتول قد لا تكون "السحر"، فربما كانت تهمة تتعلق بالفساد أو الفشل في الأداء.
فكم من موظف نزيه وسياسي صادق ومهتم بالشأن العام جاد، تم اغتياله معنويا، من طرف مدون لأنه لم يدفع له؟ وكم من موظف فاشل وسياسي فاسد ومتظاهر بالاهتمام بالشأن العام رَفَع المدونون من شأنه لأنه كان ينفق عليهم بسخاء من ماله الحرام؟
إن من سلبيات عصر "التواصل الاجتماعي" أن التفاعل والإعجاب والتعليق يزداد كلما كان المحتوى تافها أو سطحيا أو مسيئا أو رديئا، وينقص ـ بل ويكاد ينعدم ـ إن كان المحتوى جادا ونافعا وهادفا.
وليتَ الأمر توقف عند التفاعل، فالمحتوى التافه والسطحي والرديء والمسيء، هو الذي يجلب مع الإعجابات أموالا كثيرة تنفق ـ بكرم ـ على المدون، تنفق عليه من بند "التسويق" و"الترويج" و"التلميع" وتشويه سمعة المنافسين والخصوم، ويبدو أن هذه البنود أصبحت تخصص لها مبالغ معتبرة، معلنة أو غير معلنة، لدى المؤسسات، عامة كانت أو خاصة، ولدى الأشخاص كذلك موظفين كانوا أو ساسة أو رجال أعمال.
فبأي منطق تعتقدون أن جاهلا ـ عفوا مؤثرا ـ سيغلق "منجما" من ذهب يمنحه قيمة مجتمعية عالية من خلال التفاعل، ويُدِرُّ عليه في الوقت نفسه أموالا طائلة مقابل ما يقوم به من تسويق وتلميع وابتزاز وتشويه للخصوم والمنافسين؟
إن أغلب المدونين الذين هاجروا إلى أمريكا وغيرها من دول الغرب، لم يهاجروا دعاة في سبيل الله، وإنما هاجروا طلبا للمال، فهل تعتقدون أن جميع هؤلاء سيتورعون عن جمع المال السهل الذي يأتي مدرارا من خلال فتح حسابات في منصات التواصل الاجتماعي، وتخصيصها لتقديم "خدمات إعلامية" أصبحت مطلوبة كثيرا من "قادة المجتمع"، وهي خدمات تتعلق بتلميع الفاشلين في أداء مهامهم، وتشويه خصومهم ومنافسيهم. فإن تورعت طائفة من هؤلاء عن تقديم هذا النوع من الخدمات المربح والرائج، فإن طوائف كثيرة أخرى لن تتورع عن تقديم تلك الخدمات.
وحتى تكتمل الصورة أكثر، فلابد من القول كذلك، إن غالبية المدونين الذين لم يتمكنوا من الهجرة، فبقوا في الديار، وقعدوا مع القاعدين، لم يبقوا للانشغال بالدعوة في سبيل الله، وكثير من هؤلاء لا يختلف عن كثير من أولئك في عدم التورع عن جمع المال السهل الذي يأتي مدرارا من خلال فتح حسابات في منصات التواصل الاجتماعي، تلمع وتلطخ وتبتز وتلفق حسب ما يدفع من مال.
ولكن، وحتى لا نظلم المدون الذي جعل من التدوين مصدرا مدرا للدخل، من خلال تقديم خدمات التلميع والتلطيخ والابتزاز، فإن المسؤول الأول في رواج تلك الخدمات، هو من يدفع مقابل تقديم تلك الخدمات، وإذا ما حاولنا أن نرتب مسؤوليات الضالعين في هذه التجارة القذرة التي أفسدت القيم، وزادت من انتشار المحتوى الهابط والتافه والمسيء، فسيكون من يدفع الأموال هو المسؤول الأول الذي يجب أن يُحاسب أولا، ومن يتلقى الأموال، أي المدون، هو المسؤول الثاني الذي يجب أن يُحاسب ثانيا.
ليس من المقبول إطلاقا، أن يتوقف التحقيق الجاري حاليا في نصف الطريق، ولا أن يقتصر العقاب على المدونين الذين كانوا يستلمون أموالا مقابل خدمات غير مشروعة، سواء كانوا في الداخل أو الخارج، دون أن يُعاقب معهم ـ بل وقبلهم ـ كل أولئك الذين كانوا يرسلون لهم تلك الأموال مقابل تقديم خدمات غير مشروعة.
إن من المسؤولين الذين يجب أن يطالهم التحقيق:
1 ـ الموظف الذي لا يؤدي عمله على الوجه المطلوب، فينفق من مال الشعب على المدونين لتلميعه؛
2 ـ السياسي الفاشل في أداء مهامه السياسية، فينفق لتلميع نفسه وتشويه خصومه السياسيين؛
3ـ الموظف الذي يفشي معلومات للإضرار بخصومه ومنافسيه، أو يفشي معلومات سرية للدولة من أجل كسب ثقة مدون للاستفادة من خدماته مستقبلا؛
4 ـ التطبيقات البنكية: رغم الإيجابيات العديدة للتطبيقات البنكية، إلا أنه ظهر معها تنافس قوي لكسب الزبناء، كانت له نتائج كارثية على القيم المجتمعية، فلجأت هذه التطبيقات البنكية في منافستها على الإنفاق بكرم على أصحاب المحتوى التافه والسطحي مما عزز من قيمتهم، ورفع من شأنهم، وزاد من قدرتهم على التأثير في المجتمع. يحدث ذلك في وقت لا تتحمس فيه هذه التطبيقات على التسويق من خلال الإنفاق على أنشطة ذات نفع عام، تفيد المجتمع، ولدي الأدلة القوية على ذلك.
ولعل المفارقة الغريبة هنا، أن بعض التدوينات أو المقاطع المنفق عليها ـ بسخاء ـ من طرف تطبيقات أو مؤسسات تجارية أخرى كانت تسيء إلى المدرس والمحظرة وإلى مدن موريتانية عريقة، بل إن بعضها روج صراحة للسرقة من خلال "السارق الأنيق".
وتبقى هناك ظاهرة ذات صلة قوية بهذا الموضوع، تستحق هي الأخرى اهتماما خاصا، وأقصد هنا، "ظاهرة الزيدنة"، فمن المخجل حقا، أن تشاهد "قادة المجتمع" من سياسيين وموظفين ومثقفين ورجال أعمال ينتظرون "شهادات تزكية" من زيدان، وينفقون مبالغ مالية كبيرة للحصول على تلك التزكيات، والراجح أن تلك الأموال المنفقة على التزكيات الزيدانية منهوبة ومسروقة من أموال الشعب الموريتاني.
المخجل أكثر، أن يكون زيدان، هو من يُقدم ويؤخَر في المجالس والانشطة العامة، فيقول لهذا الموظف أجلس هنا في هذا المكان المتقدم، ويقول لذلك الموظف تأخر قليلا، فربما تكون قلة عطائه لزيدان هي التي أخرته في المجالس العامة.
أذكر في هذا المقام أن صديقا دعاني لمناسبة اجتماعية، وعندما قدمتٌ إليها، كان أول من صادفني زيدان، فعدت مسرعا، ولم أعتذر لذلك الصديق عن الحضور. وأذكر أيضا أن صديقا آخر أو أخا أكبر على الأصح، مر بحالة تستدعي زيارته، ولكني لم أزره، وقلتُ له ـ معتذرا عن الزيارة ـ بأني اتخذتُ قرارا بأن لا أدخل في مكان يوجد به زيدان.
إني على يقين، بأن زيدان لن يتضرر من هذا القرار، وإن كان هناك من متضرر فهو أنا، وأدرك أيضا أن زيدان ـ ومن سار على نهجه ـ يزن في مجتمعنا المصاب بلوثة في ذائقته العشرات إن لم أقل المئات من أمثالي، فنحن مجتمع لم يعد يقدر إلا المال، حلالا كان أو حراما، وأنا أعلم أنه لو تصادف أن طلبتُ أنا وزيدان لقاء موظف سام، وجئت أنا بفكرة تخدم المجتمع، وجاء هو لأخذ "غرامته" من ذلك الموظف، لقدّم هو وأخرتُ أنا، بل الراجح ألا يسمح لي أنا ـ ولا لأمثالي ـ بالدخول أصلا.
اليوم عندما تأتي لموظف سام حاملا فكرة أو مقترح يفيد المجتمع ولا يحقق لك أنت، ولا له هو مصلحة خاصة، ففي أحسن الأحوال سينظر إليك نظرة شفقة، وينهي اللقاء مبكرا بنية ألا يستقبلك مرة أخرى، أما إذا جئته عارضا عليه فكرة لتلميعه أو لتشويه خصومه ومنافسيه، انبسط وانشرح واستقبلك بالأحضان وأنفق عليك الأموال، ولا تسألني عن المصلحة العامة في ذلك، فالغالب أن المصلحة لا تهمه أصلا، ولا تهم كذلك أغلب أولئك الذين يطرقون باب مكتبه طلبا للقائه.
ختاما
إني من الذين يشجعون فتح الملف الذي بات يعرف "بملف مدوني الخارج"، وإني من الذين يطالبون بمعاقبة كل الضالعين فيه، من دفع منهم المال ومن أخذه، ولكن لابد من أقول إن المخاطر التي تواجهنا أكبر بكثير من هذا الملف، ونحن إن لم نع تلك المخاطر، ونبدأ في مواجهتها بحزم، فإن بلادنا ستجرفها التفاهة والشعبوية و"قيم الرداءة" بمختلف أصنافها وأشكالها وألوانها، والمؤسف حقا، أن الدولة وقادة المجتمع ونخبه قد انقسموا إلى فسطاطين: فسطاط يشجع قيم الرداءة، وفسطاط آخر، حتى وإن لم يكن يشجع تلك القيم، فإنه أجبن من أن يعلن عن مواجهتها بلا تردد.
حفظ الله موريتانيا...
محمد الأمين الفاضل
[email protected]



.jpeg)

.jpeg)