
شراسة المعارضة الشبابية الموريتانية في الخارج اليوم تذكّرنا بشيء من شراسة حركة الكادحين في سبعينيات القرن الماضي. وبصرف النظر عن الخلفيات الثقافية والفكرية المختلفة، فهذه أيضا معارضة شبابية تصعيدية، مشبعة بالأحلام الوطنية الجسورة، التي ترى أن الواقع القائم يجب أن يُقلب لا أن يُرمم، وتؤمن بأن وراء هذا الواقع عالماً آخر يمكن أن يولد.
إن هذا هو ما يعطى للمعارضات الشبابية زخمها المتفاقم، والولايات المتحدة اليوم خلافا لأوربا، وبسبب نظامها اللامركزي توفر ظروف ما يعرف بنظرية السمكة في الماء المشهورة، وأقول خلافا لأوربا لأن أوروبا تبيع المعارضين مقابل تبعية حكوماتهم ومقابل خضوعها للإملاءات..
إن هذه الجسارة التي يتمتع بيها المدونون في الخارج هي ما ميز الكادحين وجعل منهم الشوكة المدقوقة في حلق النظام، وهذا هو ما جعل مسار التصعيد ضدهم يقود في النهاية إلى اللجوء إلى الترصد والترهيب والضغط الجسدي والنفسي على أهاليهم، وهذا أمر عانى منه الكادحون أيضا لأن الضغط على الاهالي يمثل مرحلة طبيعية في سلم التصعيد ، وهي مرحلة واجهها الكادحون، فقد تم تخويف اهالي بعضهم وتم ابتزاز الكثير من الشباب في تلك الفترة حتى من خلال صداقاتهم وعلاقاتهم العاطفية.
لكن الكادحين كانوا يعيشون في زمن كان للكلمة فيه ثمن، وللوصول حتى إلى شخص واحد فيه جهد، ولإنشاء خلية سياسية فيه مخاطرة.
أما المدون الموريتاني اليوم فقد حصل على سلاح لم يكن يحلم به معارضو تلك الحقبة، وهو الوصول الفوري إلى الجمهور، فاليوم يستطيع مدون واحد يقيم في واشنطن أو لويفيل أوانديانا بوليس أن يخاطب، في دقائق، آلاف الموريتانيين في نواكشوط ونواذيبو والداخل، وأن يكرر خطابه كل يوم، من دون منشور سري، ولا رسول يحمل ورقة مطوية، ولا خلية تنتظر موعداً آمناً للانعقاد.
هذه ليست نقلة تقنية فحسب؛ هذه واحدة من أكبر التحولات التي عرفتها المعارضة السياسية منذ ظهور التنظيمات الحديثة.
غير أن تقنيات الاتصال، وهي تمنح المعارضة الشبابية اليوم رأساً إعلامياً هائلاً، الا أنها لم تمنحها بالضرورة جسماً سياسياً يتحرك على الأرض يوازي ذلك الرأس في الأهمية .
وما ميز حركة الكادحين وكل الحركات الشبابية الوطنية القديمة أنهم كانوا يتحركون في عالم مختلف تماماً، كانوا يمتلكون الوعي السياسي والتنظيم، لكنهم كانوا يواجهون أنظمة قوية وتحالفات سياسية وأمنية عالمية، بينما كانت أدواتهم محدودة وبطيئة.
لم يكن الجمهور يومها هذا الكائن الهائل الذي نعرفه اليوم، كان الجمهور في زمن الكادحين أشخاصاً مجتمعين في غرفة او ساحة يعرف المناضل أغلبهم بالاسم، يلتقيهم، يقنعهم، ينظمهم، ويربط بعضهم ببعض.
كانت هناك خلايا، وطلاب، وعمال، ونقابات، وروابط، وشبكات من العلاقات الشخصية.
ان هذا يختلف تماما عما هو قائم اليوم، فمدون الخارج قد يدرك، وربما ينبهر أن مائة ألف شخص شاهدوا ما قاله، لكنه لا يعرف بالضرورة من هم هؤلاء المائة ألف، ولا كم واحداً منهم مستعد لأن يفعل شيئاً يتجاوز الضغط على زر الإعجاب.
إن هناك مفردات بل قاموسا بأكمله يشكل الان المنظومة الادراكية للفعل التعبوي المعارض، يجعلنا اليوم أمام امور تبدو متشابهة ولكنها في الحقيقة من عوالم مختلفة.فالإعجاب على منشور ليس عضوية، والمتابعة ليست تنظيماً والتعليق المتحمس لا يعني تأسيس خلية و حتى المشاهدة لا تعني التعبئة.
ولهذا قد يبدو الرأس النضالي او المدون أحياناً أكبر بكثير من الجسم الذي يفترض ان يحمله وهو الجماهير، وقد تبدو المعارضة على الشاشة كأنها قوة عاتية، ثم لا تجد لها امتداداً يوازيها عندما تنطفئ الشاشة وتبدأ السياسة في الشارع، لكن المدونين او لنقل - مع التحفظ- الكادحين الجدد يملكون، في المقابل، فرصة لم تكن متاحة لأسلافهم، فرصة التعلم من هزيمة من سبقوهم، ومن الزمن الذي أحاط بتلك الهزيمة وما تلاها من استسلام وخضوع.
والحقيقة أن الكادحين لم يسقطوا وحدهم، كان العالم نفسه يتغير من حولهم.
لقد هبت العولمة الليبرالية على المجتمعات الوطنية كريح عاتية، ولم تكن تعني مجرد فتح للأسواق وتحرير للتجارة والقيم، أو تفاوت طبقي او اتساع في فجوة المداخيل و تراجع لقدرة الدولة الوطنية على احتكار مجالات كانت جزءاً طبيعياً من سيادتها.
ولم تكن العولمة، بهذا المعنى صديقة لفكرة السيادة الوطنية، لكن المفارقة التاريخية أن الريح نفسها التي أضعفت بعض أشكال السيادة الوطنية، هي التي فتحت للمعارضة الشبابية اليوم فضاءً لم يكن موجوداً من قبل.
فالكادح كان ابن مجتمع وطني شديد الانغلاق، كان يريد تغيير الدولة من داخلها، وكان يعرف أن الصدام معها قد يعني السجن أو الفصل أو المطاردة، ولذلك لم يكن التنظيم السري بالنسبة إليه ترفاً سياسياً؛ كان شرطاً للبقاء.
أما المدون في الشتات فقد خرج إلى عالم آخر، وهو الآن يستطيع أن يعيش خارج المظلة المادية والأمنية للدولة، وأن يعارضها من مكان تحميه فيه مؤسسات وقوانين مختلفة.
ولا يتعلق الأمر هنا بالشجاعة أو الجبن، بل بالكلفة، بالثمن المدفوع، فالذي يمكن أن يخسر وظيفته وحريته ودخله، ومكانته، لا يعيش السياسة بالطريقة نفسها التي يعيشها شخص يستطيع أن ينهي بثاً طويلاً، ويغلق هاتفه، ثم يعود إلى سكنه وعمله آمنا مطمئنا.
لقد تغير اقتصاد المخاطرة السياسية، وهذا التغير أنتج، إلى جانب المدون المعارض في الخارج، طبقة اجتماعية جديدة آخذة في التشكل خارج الحدود.
إن صورة الحياة التي يقدمها هؤلاء الشباب عن أنفسهم، تعكس ملامح طبقة تبدو مختلفة عن ملامح الخلفية الطبقية للكادحين، تعليم، مهن، أملاك، منازل وسيارات، وحياة مدينية ، اي باختصار استقلال كلي عن الدولة، ثم الى جانب ذلك ثقافة قانونية واحتكاك يومي بمؤسسات قانونية راسخة ومستقرة.
وهنا تظهر ملامح ما يعرف بالبورجوازية الصاعدة، لا بمعناها الماركسي الضيق، وإنما باعتبارها طبقة اجتماعية تمتلك قدراً من الموارد والاستقلال يجعل علاقتها بالدولة مختلفة عن علاقة الموظف أو العامل الذي يتوقف مستقبله كله تقريباً على رضى الإدارة عنه.
وهذه ملاحظة مهمة وتحمل بشائر لا يدركها الكثيرون، ففي تحولات كبرى كثيرة عرفها التاريخ، لم يكن التغيير دائماً نتيجة احتجاج الفقراء، بل على مر التاريخ لعب صعود طبقات جديدة تمتلك الأمان المادي والتعليم والمهنة والاستقلال الاجتماعي دوراً مهماً في إعادة صياغة العلاقة بين المجتمع والسلطة.
وما يهم هنا في هذا الصعود الطبقي ليس الفقر أو الغنى بمعناهما الضيق، وإنما الاستقلالية، وهذا ربما يساعد على فهم المدون الموريتاني المعارض في الشتات لأن الأمان المادي والقانوني ليسا تفصيلاً صغيراً في شخصية المعارض الجديد ؛ إنه يعيد تشكيل نفسية المعارضة نفسها.
هنا تصبح المقارنة مع الكادحين أكثر منطقية وربما حتى أكثر إثارة، فالكادحون كانوا قريبين جداً من الميدان وبعيدين جداً عن الأمان. أما المدونون فهم قريبون جداً من الجمهور ولأمان ، وبعيدون عن الميدان.
هذا هو المحور الجوهري لمن يريد التفكير فيما يشبه توجيها او إضاءة استراتيجية للمعارضة الشبابية في الخارج.
والحقيقة أن أكبر خطأ يمكن ان ينساقوا اليه هو ردود الأفعال، لان سياسة الاكتفاء بردود الفعل هي انعكاس لغياب استراتيجية محكمة ومدروسة، وهذا هو ما يبدد العزائم ويوهن الإرادة.
هذا مجال لا تتردد الانظمة في خوصه، ولا تحجم عن استعمال اقذر الاسلحة وأمضاها، والذين يترددون امام الوسائل المتاحة، ويشعرون بالدوران وهم يرتقون سلم التصعيد، انما يوقعون على نهايتهم ويحفرون قبورهم بأيديهم .
ان أكثر اسباب سقوط الكادحين المعروفة هي سقوط العالم الذي كانوا يتحركون في ظله وتحملهم رياحه، وهذا أمر معروف، أما اليوم فإن الوقت والظروف مناسبة جدا لنجاح المعارضة الشبابية، لأنهم يواجهون عالما ينسحب ويتلاشى ، عالم لم يبق منه الا فلوله وذيوله، فاذا فهموا ذلك وصاغوا استراتيجياتهم وأحلافهم على أساسه، فليس هناك شك في نصرهم، في نهاية المطاف.



.jpeg)

.jpeg)