
لقد راعني وأزعجني كثيرا أن أرى بعض النشطاء الموريتانيين يرفعون صور الجنرال لبات ولد المعيوف أمام مقر الاتحاد الأوروبي، مطالبين بالتدخل لإطلاق سراحه، وهم لا يعلمون أن الجنرال لبات مناضل سيادي طالما انتقد التبعية العمياء للاتحاد الأوروبي، ورفض تماما مسار التعاون غير المتكافئ معه. والمفارقة هنا أن يرفع هؤلاء صور رجل يرفض الارتهان للخارج، ثم يستنجدوا بالقوة التي انتقدها، مطالبين إياها بالتدخل في شأن داخلي موريتاني. إنهم، باسم التضامن معه، يضعونه في موقف يناقض المبادئ التي دافع عنها، وكأنهم يريدون تحريره من جهة عبر تسليم مفاتيح قضيته إلى جهة أخرى.
إن أكثر ما يكشف سذاجة بعض الموريتانيين الذين يتظاهرون أمام مؤسسات الاتحاد الأوروبي احتجاجا على مظالم وقعت عليهم في بلدهم، هو اعتقادهم أن الضغط على الحكومة الموريتانية من الخارج سيجبرها على الإنصاف، وكأنهم يستنجدون بقوة محايدة لا مصالح لها في بلادهم. إنهم ينقلون خلافاتهم الداخلية إلى طاولة طرف أجنبي، ويمنحونه بذلك فرصة ذهبية لتحويل معاناتهم إلى أداة نفوذ. فالاتحاد الأوروبي ليس جمعية خيرية ولا محكمة دولية للإنصاف، بل تكتل سياسي واقتصادي يدير علاقاته بالدول وفق حسابات المصالح، وما يبدو اليوم تعاطفا مع متظاهرين قد يتحول غدا إلى ورقة تفاوض على ملفات لا علاقة لها أصلا بالمظالم التي خرجوا للاحتجاج بشأنها
لقد أدركت شعوب كثيرة، من خلال تجاربها التاريخية، أن القوى الكبرى لا تتعامل مع ملفات حقوق الإنسان والديمقراطية والحريات بمعزل عن مصالحها الاستراتيجية. والتاريخ الأوروبي نفسه يقدم شواهد لا تحصى على استخدام القضايا الأخلاقية والإنسانية في صراعات النفوذ، تماما كما تحولت قضايا الشعوب في مراحل مختلفة من التاريخ الحديث إلى أدوات في المنافسة بين القوى الكبرى. وفي الحالة الموريتانية، لا يمكن تجاهل أن ملفات الصيد البحري والهجرة والأمن في الساحل والشراكة الاقتصادية تضع البلاد في موقع تفاوضي حساس مع أوروبا. وعندما يصبح ملف داخلي تحت أنظار المؤسسات الأوروبية، فإنه قد يدخل، عاجلا أم آجلا، في حسابات المساومة على ملفات أخرى، سواء عبر الضغط السياسي أو ربط التعاون بتنازلات تخدم المصالح الأوروبية.
إن الدفاع عن الحقوق حق مشروع، لكن الغباء السياسي يبدأ عندما يعجز المرء عن التمييز بين الاستعانة بجهة خارجية للدفاع عن مبدأ، وتسليمها مفاتيح قضية وطنية لتستخدمها وفق أجندتها الخاصة. فليس كل من أبدى تعاطفا معك يريد لك القوة، وليس كل ضغط على حكومتك يصب في مصلحتك. وقد يخرج المتظاهر من أمام المؤسسة الأوروبية معتقدا أنه انتصر لقضيته، بينما يكون قد أضاف ورقة جديدة إلى ملف تفاوضي لا يملك التحكم في مساره ولا في الثمن الذي ستطلبه الأطراف الأخرى. إن أخطر ما في هذا المسلك ليس الاحتجاج في حد ذاته، بل العجز عن إدراك أن القوى الدولية لا توظف أوراق الضغط مجانا، وأنما يُنتزع من الدولة تحت الضغط الخارجي قد ندفع ثمنه من سيادتنا ومصالح شعبنا، لا من حسابات المسؤولين الذين استهدفهم الاحتجاج.



.jpeg)

.jpeg)