
كشف تقرير أممي حديث عن حجم الأموال التي تتحرك عبر شبكات تهريب المهاجرين باتجاه أوروبا، مقدرًا تكاليف خدمات التهريب عبر المسارات البحرية بنحو 500 مليون دولار خلال عام 2025، في مؤشر على الأبعاد الاقتصادية لنشاط إجرامي عابر للحدود، أصبحت السواحل الموريتانية إحدى نقاطه المهمة على الطريق الأطلسي نحو جزر الكناري الإسبانية.
وبحسب التقرير فإن ما بين 73% و83% من المهاجرين الذين سلكوا طريق شمال غرب إفريقيا الأطلسي استعانوا بخدمات مهربين، وهي نسبة تكشف مدى اعتماد الرحلات غير النظامية على شبكات تتولى تنظيم التنقل وتوفير القوارب وترتيب عمليات الانطلاق.
ولا يمثل مبلغ 500 مليون دولار عائدات شبكات التهريب العاملة في موريتانيا وحدها، بل يتعلق بتقدير أوسع لتكاليف خدمات التهريب عبر المسارات البحرية المؤدية إلى أوروبا، كما أنه لا يعبر بالضرورة عن الأرباح الصافية التي تحققها هذه الشبكات.
موريتانيا في قلب المسار الأطلسي
اكتسبت السواحل الموريتانية خلال السنوات الأخيرة أهمية متزايدة في حركة الهجرة غير النظامية نحو جزر الكناري، بفعل موقع البلاد الجغرافي وامتداد ساحلها الأطلسي، فضلًا عن التحولات التي شهدتها مسارات الهجرة انطلاقًا من دول غرب إفريقيا.
وتشير العمليات التي تعلنها قوات خفر السواحل الموريتانية بصورة متكررة إلى استمرار محاولات العبور البحري، سواء انطلاقًا من الأراضي الموريتانية أو عبر قوارب قادمة من سواحل دول مجاورة.
وكان خفر السواحل قد أعلن، في 21 أكتوبر الجاري، التكفل بزورق يحمل 191 مرشحًا للهجرة غير النظامية، انطلق من منطقة بارني بالسنغال، فيما وصلت خلال الأيام الماضية قوارب أخرى إلى جزر الكناري، من بينها قارب أفادت تقارير إسبانية بأنه انطلق من نواذيبو.
وتبرز هذه الوقائع طبيعة المسار الأطلسي الذي لا يرتبط بدولة انطلاق واحدة، وإنما يمتد عبر عدة بلدان، تتغير نقاط المغادرة منه تبعًا للإجراءات الأمنية والظروف البحرية وتكاليف الرحلات.
كيف تعمل شبكات التهريب؟
لا تقتصر أنشطة تهريب المهاجرين على توفير القوارب، بل تشمل في كثير من الحالات سلسلة من الخدمات المدفوعة، تبدأ بترتيب التنقل نحو المدن الساحلية، مرورًا بالإيواء المؤقت، وصولًا إلى توفير وسائل العبور البحري.
وتختلف تكاليف هذه الخدمات باختلاف نقطة الانطلاق والمسافة ونوع القارب والظروف الأمنية، كما تتفاوت طبيعة الشبكات بين مجموعات محلية صغيرة وتنظيمات أكثر تعقيدًا تعمل عبر الحدود.
وتشير النسبة المرتفعة للمهاجرين الذين استعانوا بمهربين على الطريق الأطلسي إلى أن جزءًا كبيرًا من الرحلات يعتمد على ترتيبات تجارية منظمة، وإن كانت هذه النسبة لا تكفي وحدها لتحديد حجم الأموال المتداولة داخل موريتانيا.
آلاف الضحايا على الطرق البحرية
لا تقتصر كلفة الهجرة غير النظامية على الأموال المدفوعة للمهربين، بل تمتد إلى الخسائر البشرية التي تسجلها الطرق البحرية نحو أوروبا.
فبحسب الأرقام الواردة في التقرير، بلغ عدد الأشخاص الذين توفوا أو فُقدوا عبر المسارات البحرية المؤدية إلى أوروبا خلال 2025 نحو 3404 أشخاص، في حين بلغ عدد الذين جرى اعتراضهم أو إعادتهم نحو 104 آلاف شخص.
وتشمل هذه الحصيلة مسارات بحرية متعددة، ولا يجوز اعتبارها جميعًا ضحايا للطريق الموريتاني أو الأطلسي وحده.
ويُعد الطريق الأطلسي نحو جزر الكناري من المسارات الخطرة بسبب طول الرحلات وتغير الظروف الجوية، فضلًا عن استخدام قوارب قد لا تتوفر فيها شروط السلامة أو معدات الملاحة والاتصال المناسبة.
تشديد الرقابة وتحول مسارات الانطلاق
كثفت موريتانيا خلال السنوات الأخيرة تعاونها مع الاتحاد الأوروبي وإسبانيا في مجال مراقبة الحدود ومكافحة تهريب المهاجرين والبحث والإنقاذ البحري.
غير أن تقييم أثر هذه الإجراءات لا يقتصر على عدد القوارب التي يتم اعتراضها، بل يتطلب كذلك متابعة ما إذا كانت شبكات التهريب قد نقلت أنشطتها إلى مناطق أبعد أو أكثر خطورة.
فقد يؤدي تشديد الرقابة على نقطة انطلاق معينة إلى تغيير مسارات الرحلات أو زيادة تكاليفها، دون أن يعني ذلك بالضرورة انخفاض الطلب على خدمات المهربين.
وتطرح هذه المعادلة تحديًا أمام السلطات الموريتانية وشركائها الأوروبيين، يتعلق بالتوفيق بين مكافحة الشبكات الإجرامية وحماية الأرواح وضمان احترام حقوق المهاجرين.
أين تذهب أموال التهريب؟
يفتح التقدير الأممي البالغ نصف مليار دولار سؤالًا بشأن المستفيدين من الأموال التي يدفعها المهاجرون مقابل الرحلات غير النظامية.
لكن الإجابة تتطلب التمييز بين المبالغ التي يدفعها المهاجرون، والتكاليف التشغيلية التي يتحملها المنظمون، والأرباح التي تحققها الشبكات، فضلًا عن توزيع الأموال بين مختلف الوسطاء في بلدان العبور والانطلاق.
كما تبرز الحاجة إلى معرفة حجم الأموال التي يتم تداولها نقدًا أو تحويلها عبر وسائل الدفع المختلفة، ومدى قدرة أجهزة الرقابة المالية على تتبع المعاملات المرتبطة بأنشطة التهريب.
ولا تتوفر تقديرات موثقة لحصة موريتانيا من هذه الأموال، أو حجم الأرباح التي تحققها الشبكات العاملة على أراضيها.
اقتصاد عابر للحدود وتحديات محلية
تكشف المعطيات الأممية أن تهريب المهاجرين لم يعد مجرد نشاط مرتبط بتوفير وسيلة عبور غير قانونية، بل أصبح سوقًا عابرة للحدود تتحرك فيها مبالغ مالية كبيرة، مستفيدة من الطلب المستمر على الوصول إلى أوروبا.
وبالنسبة إلى موريتانيا، يطرح هذا الواقع تحديات أمنية واقتصادية وإنسانية متداخلة، تبدأ بمراقبة السواحل وملاحقة شبكات التهريب، ولا تنتهي عند توفير وسائل الإنقاذ والتكفل بالمهاجرين الذين يتم اعتراضهم.
وتظل معرفة الحجم الحقيقي لهذا النشاط داخل البلاد رهينة بتوفر إحصاءات رسمية أكثر تفصيلًا عن عدد الشبكات المفككة، والمبالغ المحجوزة، والقوارب المضبوطة، والمسارات المستخدمة.
ويبقى السؤال الأهم: ما الحصة الفعلية للمسار الموريتاني من اقتصاد تهريب المهاجرين نحو أوروبا، وهل تؤدي إجراءات الرقابة المتزايدة إلى تفكيك الشبكات، أم إلى انتقالها نحو طرق بحرية أطول وأكثر خطورة؟



.jpeg)

.jpeg)