
عادت حمى الريسوني الموسمية وعادت معها دوخة الاستفزاز التي تثيرها بعض الشخصيات المغربية باحديثها عن مغربية موريتانيا ، غير أن اللافت اليوم ان هذا الاستفزاز جاء بالتزامن مع الأزمة التي سببها القرار الذي اصدره وزير الثقافة والذي أثار حفيظة بعض مكونات الوطن، ومن سخرية الاقدار انه كلما ازدرينا وتجاهلنا عمقنا الافريقي نتلقى صفعة مهينة من اخوتنا في" العربة والحضارة" في الشمال.
هذه ليست قضايا متفرقة، هذه أعراض لأزمة واحدة، وهي تنكر موريتانيا لانتمائها الحقيقي والتردد في حسم موقعها بين قطبين تاريخيين، المغرب من جهة، ومجال بلاد التكرور التاريخي والسودان الغربي من جهة أخرى .. ومن المؤسف حقا أن هذا التشخيص قد يبدو صادما لكثيرين ولكن ما من علاج للاصرار على التقمص والاوهام أفضل الصدمات.
إن موريتانيا ليس امامها خيار ، والا فستظل تبحر عكس الريح والامواج بلا توقف، لأنها إذا تنكرت لمجالها الإفريقي، وضاقت ذرعا بهذا الانتماء كما تفعل الان، فانها تضع نفسها في موقع التابع الذي يبحث عن مكانه داخل المجال المغربي العربي. وهو ما يفتح باب الضم والكسر وكل علامات الاعراب الممكنة
أما إذا تبنت عمقها الإفريقي، وهو أمر لا نرى بوادره في المستقبل المنظور فإنها تصبح رأساً في مجالها التاريخي، لا ذيلاً في مجال غيرها.
أما الاصرار على غير ذلك فهو خدعة الصبي عن اللبن .
.
إن التحرش المغربي المتواصل بموريتانيا ليس مجرد سجال عابر حول الحدود أو التاريخ أو الانتماء، كما يظن بعض المهتمين الجدد بالموضوع ، بل هذه ظاهرة من علال الفاسي الى الريسوني وهي ظاهرة مستمرة ما دامت موريتانيا تتبنى تعريف هويتها ومكانتها خارج محيطها الجغرافي الطبيعي.
والتاريخ يعلمنا أن الدول التي تتردد في تثبيت موقعها داخل محيطها الجغرافي الطبيعي تصبح عرضة لمشروعات القوى الأكثر ثقة بنفسها والأكثر وضوحاً في تحديد مجال نفوذها.
فالمشكلة ليست في أن للمغرب تصوراً لمكانته الإقليمية، بل في أن موريتانيا لم تحوّل بعد عمقها الإفريقي إلى مشروع تاريخي واستراتيجي واضح، يمنحها الثقة في نفسها والقدرة على التعامل مع جيرانها من موقع الندية والاستقلال.
إسماعيل ولد محمد خيرات



.jpeg)

.jpeg)