
اذا كان العفو الرئاسي الذي صدر في مالي عن الصبابط الفرنسي يان فازيليي قد صدر في اليوم نفسه، وفي الساعات نفسها تقريبًا، التي أعلنت فيها جبهة تحرير ازواد الافراج عن 82 جنديًا ماليًا، فمن حق المراقب أن يتساءل: لماذا أصر الجميع على تقديم الحدثين باعتبارهما مسارين منفصلين؟ ففي السياسة لا تُقاس الصفقات بتوقيع الاوراق امام الكاميرات، بل بتزامن النتائج والتبادل الفوري لشيء مقابل شيء ، فعندما يخرج ضابط فرنسي متهم بزعزعة الامن من سجن في باماكو، ويخرج في المقابل عشرات الجنود الماليين من الأسر في اليوم نفسه، فإن الحديث عن مبادرة إسانية يصبح نوعا من الضحك على الذقون.
وهكذا فان مهمة المتابع الأولى في هذا السياق هي فهم اسباب ودواعي هذا الغموض ، أي لماذا أُخفيت هذه الصفقة؟ والجواب في نظري أن اخفاءها يخدم كل الاطراف؟ فمالي لا تريد أن تظهر وكأنها فاوضت من تصفهم بالإرهابيين، وجبهة تحرير أزواد لا تريد أن تبدو وكأنها قدمت أكبر أوراقها أهمية مقابل اطلاق سراح ضابط مخابرات فرنسي متهم بزعزعة الأمن في مالي، دون تحقيق مكسب ظاهر، ولا حتى دون الافراج عن اي من عناصرها الذين يقبعون في السجون المالية بالمئات ، اذن لبس من مصلحتها حتما ان يبدو الامر وكانه صفقة ، أما فرنسا فهي أيضا لا ترغب في الاعتراف بأن استعادة أحد ضباطها احتاج إلى مسار غير مباشر وغامض. وهكذا فضّل الجميع تجنب اعلان الصفقة بشكل صريح، رغم أن الوقائع تبدو أكثر ترابطًا من أن تقرأ على أساس أنها أحداث منفصلة
و لا يعني هذا أن كل الاطراف متساوية في مستوى الخسارة او حجم المكاسب، والواقع ان أكثر الأطراف تعرضًا للخسارة المعنوية ليس باماكو و بالطبع ليس باريس، وإنما الحركات المسلحة في أزواد نفسها. فقد كان الجنود الماليون الأسرى يمثلون ورقة استراتيجية ثمينة يمكن استخدامها في المستقبل لفرض تنازلات تتصل بمستقبل قضيتهم، أو لفتح باب تفاوضي من منطلق قوة اذا اضطروا لذاك، أما التفريط بهذه الورقة في هذا التوقيت مقابل ضابط مخابرات فرنسي، وترك عناصرها قابعين في السجون فإنه سيولد حتمًا أسئلة داخل قواعدها ومقاتليها، إذ ماذا جنت الحركة مقابل هذا التنازل؟ وهل كانت الأولويةهنا لمصلحة ما بسمى بالمشروع الأزوادي، أم لمصلحة حكومات خارجية تبحث عن رافعة لإنقاذ شعبيتها المتهاوية ؟
و إذا صحت المعلومات التي تتحدث عن وساطة مغربية قادت إلى إنجاح هذه العملية وهو أمر غير مستبعد، إلا أن هناك حلقة اخرى في هذه السردية تبدو مفقودة و لا بد من تحديدها ووضعها في مكانها المناسب، فالرباط ربما تكون قد توسطت بين باريس وباماكو، لكن خيطا معقدا يربط الحركات المسلحة في شمال مالي بالجزائر يبقى ناتئا ويضفي ظلال شك على فرضية وقوف المغرب وراء العلمية برمتها ، واذا جاز التسليم بان العملية كانت تواجه عرقلة جزائرية بالنظر الى ان الجزائر هي المورد الرئيسي للجماعات المسلحة في الشمال من حيث المحروقات والادوية وغير ذلك ، وبالتالي لابد من موافقتها ، فان اضاءة جديدة ربما على أسباب عودة العلاقات مع باماكو قد تكون كاشفة، وبالتالي فانما جرى مؤخرا من تفاهم بين باماكو والجزائر صب فعلا في صالح انجاز الصفقة، وربما بسبب ذلك رفعت الجزائر الفيتو عنها، وهذا لا ينفي عنها انها كانت عملية أدارتها المغرب منذو البداية كما يدعي الاعلام الفرنسي
.........
ولكن اين نحن .. ؟



.jpeg)

.jpeg)