
عاد الجدل في موريتانيا حول تسيير التبرعات الخيرية إلى الواجهة، بعد تداول نقاشات بشأن طريقة إدارة الأموال التي تجمعها بعض الجمعيات لصالح المرضى والفقراء، ومدى خضوعها للمحاسبة والتدقيق والإفصاح العلني.
ولا يتعلق هذا الجدل بالتشكيك في أهمية العمل الخيري، ولا في حاجة المرضى إلى الدعم، فذلك جانب إنساني لا خلاف عليه. لكن حساسية الملف تكمن في أن هذه الأموال لا تأتي من نشاط تجاري عادي، بل من تعاطف المواطنين وثقتهم، ومن تبرعات يقدمها الناس على أساس أنها ستصل إلى مريض محتاج أو ستساهم في مشروع صحي عام.
في هذا السياق، وجدت جمعية إيثار لرعاية مرضى السرطان نفسها في قلب النقاش، خصوصًا بعد حديث متداول عن مبالغ كبيرة جُمعت خلال السنوات الماضية لصالح مشروع صحي كان ينتظر منه أن يتحول إلى مستشفى متخصص، بينما يطرح بعض المتابعين أسئلة حول ما تحقق فعليًا، وحول طبيعة العيادة التي افتتحتها الجمعية، ومدى مجانية خدماتها أو استفادة المرضى محدودي الدخل منها.
وقد حاول رئيس الجمعية، محمد يسلم عبد الله، الرد على جانب من هذه التساؤلات بالقول إن الجمعية لا تأخذ “ولا أوقية واحدة” من التبرعات، وليست من الجمعيات التي تقتطع نسبة منها للتسيير. غير أن التصريح نفسه يفتح بابًا آخر للنقاش، حين يشير إلى أن تكلفة التسيير منذ نشأة الجمعية لم تتجاوز 11%.
وهنا تظهر الحاجة إلى توضيح أدق. فإذا كانت الجمعية لا تقتطع من التبرعات، فمن أين تمول تكاليف التسيير؟ وهل نسبة 11% محسوبة من إجمالي الموارد؟ أم من مصادر أخرى؟ وما طبيعة هذه المصاريف؟ وهل تشمل الإيجار، والرواتب، والتنقل، والتجهيز، والحملات الإعلامية، أم أنها مصاريف إدارية محدودة؟
هذه الأسئلة لا تعني بالضرورة وجود خلل، لكنها تكشف أن التصريحات العامة لم تعد كافية في ملفات من هذا النوع. فالجمعيات التي تجمع المال باسم المرضى تحتاج إلى مستوى عالٍ من الإفصاح، لا حماية لنفسها فقط، بل حماية للثقة التي يقوم عليها العمل الخيري كله.
فالفرق كبير بين أن تقول جمعية إنها لم تقتطع من التبرعات، وبين أن تنشر للرأي العام تقريرًا ماليًا مفصلًا يوضح حجم المبالغ التي دخلت حساباتها، ومصادرها، وأوجه صرفها، وما خُصص للمرضى، وما وُجه للمشاريع، وما أنفق على التسيير، وما بقي في الحسابات أو في الذمم.
كما أن مشروعًا بحجم مستشفى لعلاج السرطان، إذا كان قد أعلن وجُمعت له تبرعات واسعة، يحتاج إلى عرض واضح أمام الرأي العام: أين وصل المشروع؟ كم كانت كلفته التقديرية؟ ما المبلغ الذي جُمع له؟ هل تغيرت الخطة؟ هل وُجدت صعوبات إدارية أو مالية أو عقارية؟ وهل تم إعلام المتبرعين بهذه التطورات؟
المشكلة في غياب الشفافية أن الفراغ تملؤه الشائعات. وحين لا تكون الأرقام منشورة، يصبح كل رقم قابلًا للتضخيم أو التقليل. وحين لا تكون الحسابات مدققة ومعلنة، تختلط النوايا الحسنة بالشكوك، وتتضرر صورة العمل الخيري حتى لو كانت بعض الجمعيات تعمل بصدق.
ومن نقاط الضعف في الخطاب المتداول حول هذا الملف أنه يعتمد على نفي عام بدل تقديم بيانات مفصلة. فالقول بعدم أخذ نسبة من التبرعات لا يكفي ما لم يكن مصحوبًا بجداول مالية واضحة. والحديث عن أن تكاليف التسيير لم تتجاوز 11% يحتاج إلى تحديد سنة القياس، وطريقة الحساب، والجهة التي راجعت هذه النسبة.
كذلك، فإن افتتاح عيادة غير مجانية، إذا تأكد، لا يعد إشكالًا في حد ذاته إذا كانت مداخيلها موجهة لخدمة المرضى أو دعم الحالات الفقيرة. لكن ذلك يستدعي إعلانًا واضحًا عن سياسة الأسعار، والإعفاءات، والمداخيل، وكيفية توجيهها. فالمتبرع الذي ساهم في مشروع خيري من حقه أن يعرف هل تحولت مساهمته إلى خدمة اجتماعية فعلية أم إلى نشاط مدفوع لا تختلف شروطه كثيرًا عن السوق.
إن المطلوب اليوم ليس إدانة مسبقة لأي جمعية، ولا تحويل العمل الخيري إلى ساحة اتهامات. المطلوب هو وضع قاعدة عامة وواضحة: كل جمعية تجمع تبرعات من الجمهور يجب أن تنشر حساباتها سنويًا، وأن تعرض مشاريعها بالأرقام، وأن تخضع لتدقيق مستقل، وأن تعلن مسبقًا إن كانت تقتطع نسبة للتسيير أو تمول مصاريفها من مصادر أخرى.
كما أن الدولة مطالبة بتنظيم هذا المجال دون التضييق على المبادرات الخيرية. فالتنظيم الجيد يحمي المرضى، ويحمي المتبرعين، ويحمي الجمعيات الجادة من الشك والتشهير. ولا يمكن بناء ثقة دائمة في العمل الخيري إذا بقيت الأموال العامة، ولو كانت تبرعات، خارج دائرة الإفصاح والمراقبة.
في النهاية، لا يكفي أن يكون الهدف نبيلًا حتى يكون التسيير مقبولًا. فالعمل الخيري لا يستمد قوته من العاطفة وحدها، بل من الوضوح والمحاسبة. وكلما تعلقت الأموال بمعاناة المرضى وآلام الفقراء، أصبحت الشفافية واجبًا أخلاقيًا قبل أن تكون مطلبًا إداريًا أو قانونيًا.
مولاي ولد سيد احمد



.jpeg)

.jpeg)