شروق الأرض مرة أخرى

في أواخر ستينيات القرن الماضي، التقط رواد الفضاء خلال رحلة أبولو 8 صورة لكوكب الأرض كما تبدو  من سطح القمر، عُرفت هذه الصورة التي انتشرت في العالم عبر الصحف  باسم "شروق الأرض"، وقد كان وقعها عميقاً، إذ ظهرت الأرض صغيرة وهشة  كأنها ريشة أو كرة صغيرة تسبح في فضاء شاسع،

 

 لقد غيرت هذه الصورة نظرة العالم في ذلك الوقت  الى واقعه والى مصيره، حيث أدرك الإنسان للمرة الأولى بأعلى قدر من اليقين، مدى هشاشة موطنه الوحيد. ولم يكن تأثير الصورة عاطفياً فحسب، بل أحدثت تحولاً في الوعي وانقلابا في ترتيب الانشغالات؛ حيث أعادت توجيه الاهتمام من غزو الفضاء إلى حماية الأرض، ودفعت إلى تصاعد الاهتمام بقضايا البيئة والمناخ ومستقبل الكوكب. حتى قال أحد علماء نازا ان هذه الصورة أعادت الاهتمام بالأرض بدلا مما كان متوقعا من نتائج الرحلة وهو تزايد الشغف بكشوف الفضاء .

 

واليوم، وبعد أكثر من نصف قرن، يبدو أن البشرية دخلت سباقاً جديداً، ليس نحو القمر، بل نحو الذكاء الاصطناعي. حيث تتسابق الدول والشركات العملاقة اليوم  لبناء نماذج أكثر قوة، ووكلاء رقميين أكثر استقلالية، وأنظمة قادرة على أداء مزيد من المهام التي كان يقوم بها الإنسان، من إدارة الأعمال اليومية إلى كتابة الرسائل و الترجمة وتنظيم الاجتماعات واتخاذ  القرارات.

 

وكما حدث في عصر الفضاء، يقال اليوم أيضا إن هذا السباق سيعود بالنفع على البشرية، وإن الذكاء الاصطناعي سيقضي على الفقر، ويعالج الأمراض، ويحد من عدم المساواة، ويحل أزمات التعليم والإدارة. والحقيقة أن هذا هو ما قيل آنذاك أيضاً من أن الاستثمارات الضخمة في غزو الفضاء ستنعكس على رفاه الإنسان، ومع ذلك بقيت معظم مشكلات البشرية على حالها.

 

ليست المشكلة في العلم، ولا في الابتكار، بل في ترتيب الأولويات. فبينما تُنفق مئات المليارات اليوم على تطوير نماذج أكثر ذكاءً، لا تزال البشرية عاجزة عن القضاء على الفقر، أو توفير الرعاية الصحية لملايين البشر، أو الحد من اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، أو منع الحروب، أو الاستبداد بالحكم، أو الحد من طغيان القوى المتغلبة ، أوالجرائم المنظمة،  أو مواجهة الكوارث والصدمات المناخية وغير ذلك..

 

والأخطر من ذلك أن سباق الذكاء الاصطناعي  والاتمنة يقوم  بتركيز غير مسبوق للسلطة في أيدي عدد محدود من الشركات والدول التي تمتلك البيانات والحوسبة والبنية التحتية الرقمية، وبهذا قد تتحول هذه التقنيات، التي يُفترض أن تكون وسيلة لتحرير الإنسان، إلى أداة جديدة للسيطرة عليه بتركيز النفوذ وإعادة تشكيل العالم وفق مصالح قلة من الفاعلين.

 

ولذلك، ربما لا تحتاج البشرية اليوم إلى نموذج ذكاء اصطناعي أكثر تطوراً، بقدر ما تحتاج إلى "شروق الأرض مرة أخرى"؛ والمقصود هنا  لحظة وعي تعيد أنظار العالم إلى ما هو أكثر إلحاحاً،  أي الإنسان قبل الآلة، والعدالة قبل الكفاءة، وحماية الحياة قبل تعظيم القدرة التقنية.

 

ربما يبدو هذا الطرح صادماً للبعض، لكنه يستحق النقاش،  هل آن الأوان لإبطاء بعض مسارات تطوير الذكاء الاصطناعي، أو حتى تعليقها مؤقتاً، وإعادة توجيه جزء معتبر من الاستثمارات والطاقات العلمية نحو القضايا التي تمس بقاء البشرية مباشرة؟ ليس عداءً للعلم، وإنما دفاعاً عن الإنسان، وإعادةً للتوازن بين ما نستطيع - كبشر -  أن ننجزه وما ينبغي أن تكون له الأولوية.

 

وفي ظني أن المؤسسات الدينية تستطيع أن تؤدي دوراً مهماً في هذا السياق اذا اتيحت لها الامكانات، فلها دور تاريخي مهم في كبح جماح التطرف  العلمي في سياقات لم تنضج بعد شروطها، وهو دور لا يبدو لكل الناس سلبيا بالرغم من التحيز التاريخي ضده، ولكنه في النهاية كان تذكيرا بأن التقدم الحقيقي لا يُقاس بسرعة الآلات، بل بقدرتها على حماية كرامة الإنسان وعدالة المجتمعات وفق هدايات الدين وأنواره.. 

 

وبالطبع لقد غيّرت صورة شروق الأرض  مسار التفكير العالمي قبل أكثر من نصف قرن، والسؤال اليوم هو، هل تحتاج البشرية إلى حادثة أو صدمة  وعي جديدة  تعيدها مرة أخرى إلى مشكلاتها الحقيقية، وهل ستكفيها ان وجدت أم انها تحتاج الى عودة  لسلطة الدين أيضا  قبل أن يبتلعها سباق لا يعرف حتى أصحابه  إلى أين يقود؟

خميس, 02/07/2026 - 09:44