لقاء البيت الأبيض والعلاقات الموريتانية الأميركية

سبق أن أشرتُ إلى بداية اتصالاتنا مع الولايات المتحدة ولاسيما لقاءاتي في واشنطن مع الرئيسين إيزنهاور وكندي وزيارة كاتب الدولة المساعد للشؤون الإفريقية السيد منن ويليام Mennen Williams إلى نواكشوط.
وظلت علاقاتنا حتى1967 علاقات طبيعية رغم ما يثيره تضامننا الثابت مع الشعبين الفلسطيني والفيتنامي من غضب لدى بعض المسؤولين الأميركيين. وقد أعربنا عن هذا التضامن في الوقت الذي أعربنا فيه عن تضامننا مع الشعوب الإفريقية في المستعمرات البرتغالية، وفي إفريقيا الجنوبية، وناميبيا في مختلف الظروف، داخل بلادنا وخارجها. وكان التقرير عن حالة الأمة بالذات مناسبة متجددة بالنسبة لنا للتعبير عن هذا التضامن.
وبعد اندلاع حرب الأيام الستة في 7 يونيو1967، قطعنا علاقاتنا الديبلوماسية مع الولايات المتحدة. وكانت تلك طريقتنا الوحيدة في التعبير بوضوح عن تضامننا مع الشعوب العربية الشقيقة ضحية العدوان الإسرائيلي الذي ما كان له أن يتم لولا دعم الولايات المتحدة غير المشروط ومساندتها ووسائلها العسكرية والاقتصادية والديبلوماسية. ولم تكن بلادنا وقتها قد انضمت للجامعة العربية التي لم تقطع معظم دولها علاقاتها الديبلوماسية مع واشنطن. وعليه فقد بدونا عربًا أكثر من العرب… كما كنا قبل ذلك بسنتين أكثر إفريقية من الكثير من الأفارقة بقطعنا علاقاتنا الديبلوماسية مع بريطانيا بشأن روديسيا الجنوبية. فالوفاء للمبادئ التي نتبناها يعني بالنسبة لنا احترام التزاماتنا التي لم تكن مجرد شعارات….
ودامت تلك القطيعة عامين ونصف العام. فقد استعدنا علاقاتنا الديبلوماسية مع الولايات المتحدة في 22 ديسمبر 1969 إثر وساطة دول صديقة وتشاور مع الجزائر ومصر. 
وبعد ذلك بأشهر معدودة، عرفت تلك العلاقات فتورًا جديداً مع أنها لم تتسم بحرارة كبيرة من جانبنا. وكان السبب في ذلك الفتور ناجماً عن حادث ديبلوماسي جاء وفق السياق التالي: ففي سبتمبر 1970 حضر العديد من رؤساء الدول الإفريقية إلى نيويورك بمناسبة الذكرى الـ25 لميلاد منظمة الأمم المتحدة. ومن بين هؤلاء الرئيس كانث كاوندا Kenneth Kaunda، الرئيس الدوري لمنظمة الوحدة الإفريقية. وقد طلب هذا الأخير موعداً لمقابلة الرئيس نيكسون الذي رفض مقابلتَه بطريقة تكاد تكون غير ديبلوماسية في موعد ملائم للسيد كاوندا. وفي الأسبوع نفسه، نظم الرئيس الأميركي بالبيت الأبيض حفلَ عشاء كبير على شرف رؤساء الدول… وقرر البروتوكول منحي مكانةً شرفية متميزةً على الطاولة الرئاسية بحكم أقدميتي في السلطة مقارنةً بغيري من المشاركين. ورفضتُ حضورَ هذا الحفل موضحاً أسبابَ رفضي. وبالفعل، أعتقد أن الرئيس نيكسون برفضه استقبال الرئيس كاوندا لم يسئ فقط إلى كرامة زميل إفريقي وإنما أهان كذلك إفريقيا بأسرها بإهانته الرئيس الدوري لمنظمتها القارية. وعليه، كان ينبغي تذكير رئيس أغنى وأقوى دولة في العالم أن إفريقيا لن تقبل المساومةَ على كرامتها التي هي أغلى ما تملك رغم فقرها وتخلفها التكنولوجي.
وللأسف الشديد، يبدو أنني في تلك الحال كنتُ الوحيدَ ممن فكر بهذه الطريقة واستخلص النتيجةَ المنطقية. ربما يقول البعض إن مردَّ ذلك هو مركب النقص والحساسية المرضية المفرطة! قد يكون ذلك. وبالطبع، فإن وفدنا قد حاول حتى آخر لحظة حملي على تغيير موقفي بإلحاحٍ من الممثلية الأميركية لدى الأمم المتحدة وبعض الوفود الإفريقية. وذهبت تلك الجهود سدًى رغم الحجج القائلة إن الأكل على طاولة رئيس الولايات المتحدة الأميركية وأخذ صورة تذكارية برفقته في البيت الأبيض يشكلان شرفاً بروتوكولياً قد يمنح المرء «وزنه من الدولارات…». غير أن الشرف والكرامة لا مساومة عليهما مهما كان الثمن. 
وفي أكتوبر سنة 1971، استقبلني الرئيس نيكسون في البيت الأبيض بوصفي الرئيس الدوري لمنظمة الوحدة الإفريقية، وكنت مرفوقاً بوزراء خارجية الجزائر والكامرون وكينيا، ومالي وزامبيا وموريتانيا والأمين العام لمنظمة الوحدة الإفريقية ومساعده والأمين العام لرئاسة الجمهورية الإسلامية الموريتانية.
وكان الاستقبال ودياً رغم الطابع الانطوائي والعصبي البادي مِن مضيفي. وقد أجرينا لقاءً مطولا كُرِّس خصيصاً للقضايا الإفريقية المتعلقة بالمستعمرات البرتغالية، والميز العنصري، وناميبيا، وردوسيا الجنوبية. ورغم موافقته اللفظية على معظم مواقف منظمة الوحدة الإفريقية بشأن تصفية الاستعمار في إفريقيا، فإن محدثي لم يأخذ أي التزام صارم بمساندة تلك المواقف. 
وعودةً إلى الحديث عن العلاقات الثنائية الموريتانية الإميركية التي تطورت بخط منشاري، فإنه يمكن الخروج بشأنها بالاستنتاجات التالية:
تعتبر الولايات المتحدة أول بلد جرت بينه اتصالات ديبلوماسية مع بلادنا قبل حصولنا على الاستقلال، باستثناء فرنسا ذات الصلة الخاصة معنا. وكانت أول بلد في العالم يعترف صراحةً باستقلالنا الوطني قبل فرنسا نفسها.
ولم تكن علاقاتنا، التي عرفت فترات اضطراب وقطيعة، حسنةً في يوم من الأيام. ولا يعود ذلك لأسباب تتعلق بعلاقاتنا الثنائية وإنما لتباين جوهري في سياساتنا الخارجية. فهم ينتهجون سياسة إمبريالية، ونحن ننتهج سياسة نضالية غير منحازة. إننا ندافع عن قضايا كل الشعوب التي تعتدى عليها الولايات المتحدة بصفة مباشرة مثل فيتنام، أو بواسطة إسرائيل في فلسطين والمشرق العربي.
وقد ظل العون الأميركي للجمهورية الإسلامية الموريتانية متواضعاً جداً ولا يعدو بضعة مشروعات زراعية صغيرة، ومساعدةً فنية من بعض عناصر هيئة السلام (peace-corps) الذين طردناهم بعد قطيعة 1967. وبالمقابل قدموا لنا مساعدات معتبرة لمكافحة الجفاف اعتباراً من 1970.
ويعترف بعض الديبلوماسيين الأميركيين بأن مردّ تحفظات حكومتهم تجاه حكومتنا هو موقفنا النضالي المناهض للإمبريالية الذي يتحول أحياناً إلى مناهضة أميركا. ولذا فإنها لا تساعد بلادنا بصفة معتبرة. أما بالنسبة للخصوصيين الأميركيين، فإن بعض الشركات البترولية قد طلبت منا رخصاً للتنقيب وحصلت عليها. بيد أن التنقيبات التي قامت بها، في اليابسة أساساً، لم تعط أية نتائج إلى غاية 1978.
وأشارت التصريحات السرية نفسها إلى أن مسؤولي السياسة الأميركية في إفريقيا لا ينظرون بعين الرضى إلى الطابع الامتيازي للعلاقات الموريتانية الصينية.
 أما من الناحية الرسمية فإن كبار المسؤولين الأميركيين الذين لقيتُهم أكدوا لي أنهم يولون اهتماماً كبيراً لبلدي بسبب أهميته السياسية والاستراتيجية في العلاقات بين طرفَي إفريقيا جنوب الصحراء وشمالها، وبحكم موقعها كدولة مطلة على المحيط الأطلسي. وبخصوص الأطلسي، أخبرني نائب في البرلمان الأميركي يوماً أن نواذيبو أقرب مدينة إفريقية إلى الشاطئ الشرقي للولايات المتحدة.
والتزمت الحكومة الأميركية في عام 1977 بدراسة وإنجاز مشروع تنمية حيوانية وزراعية كبير مندمج يغطى كامل الولاية العاشرة تقريباً، أي كَيديماغة. وعند انقلاب يوليو 1978، كانت الدراسات قد بدأت. 
وتجدر الإشارة في الأخير، إلى أننا على الرغم من تنديدنا المتكرر بالإمبريالية الأميركية، داخل بلادنا وخارجها، ورغم مساندتنا الدائمة لكل شعوب العالم الثالث التي تحاربتها الولايات المتحدة، فإن الحكومة الأميركية لم تشأ قط فيما يبدو أن تؤاخذنا على ذلك أو تسعى إلى زعزعة نظامنا. ربما لأننا كنا صغاراً جداً في نظرها! أو لأننا لم نكن شيئاً مذكوراً بالنسبة لها!؟ وعلى أية حال، فقد تصرفتْ على الدوام بصفة لائقة تجاه بلادنا ونظامها. وهكذا سعى الرئيس نيكسون في خضم حرب خريف عام 1973 بالشرق الأوسط إلى إقناعي، فكتب إلي يقول: «إنني لا أزال أتذكر لقاءنا في سبتمبر 1971 وما جرى بيننا من تبادل صريح ومتفتح للآراء في تلك المناسبة، وكلي ثقة بأنكم ستساندون جهودي الرامية إلى إيجاد تسوية نهائية للنزاع تصون حقوق كل شعوب الشرق الأوسط». وقد كشفتُ النقاب عن هذه الرسالة، إلا أننا لم نقطع مع ذلك علاقاتنا الديبلوماسية مع تلك القوى العظمى الداخلة على ما يبدو في حرب مع عدة دول وشعوب عربية شقيقة. 

المختار ولد داداه / «موريتانيا على درب التحديات»

أربعاء, 09/07/2025 - 22:06