دراسة حول تموضع موريتانيا في الاستراتيجية الصينية للربط

أنجز مركز أودغست للدراسات الإقليمية دراسة استراتيجية جديدة تحت عنوان: "من الصداقة إلى الحزام: أين تتموضع موريتانيا على خرائط الربط الصينية؟"، تتناول مسار العلاقات الموريتانية–الصينية على امتداد ستة عقود، من تأسيسها عام 1965 إلى اندماجها في مبادرة "الحزام والطريق"، مع استشراف سيناريوهات محتملة للفترة 2026–2030.
تسلط الدراسة الضوء على المراحل التاريخية الأولى التي تميزت بمشاريع رمزية وبنيوية مثل "ميناء الصداقة" والبعثات الطبية والمستشفى الوطني، والتي أرست حضورا صينيا مستقرا في البنية التحتية الموريتانية. ثم تنتقل إلى المرحلة الجديدة التي افتتحتها مبادرة "الحزام والطريق" عام 2013، حيث توسع الحضور الصيني ليشمل قطاعات أكثر حساسية، منها المرافئ واتفاقات الصيد، والبنية الرقمية، إلى جانب صادرات الحديد التي تذهب بمعظمها إلى السوق الصينية.

وتفكك الدراسة العلاقة إلى ثلاثة مسارات رئيسية:

-  الحديد، الذي يشكل العصب التجاري بين البلدين ويجعل الميزانية الموريتانية مرتبطة مباشرة بتقلبات الطلب في الصين؛
-  الصيد والمرافئ، حيث تعكس الاتفاقات الموقعة تحديات تتعلق بالشفافية والمحتوى المحلي والاستدامة البيولوجية، وفي الوقت نفسه تتيح فرصا لتوسيع سلاسل القيمة؛
- البنية الرقمية، التي تمثل البعد الأكثر حساسية لارتباطها بالسيادة المعلوماتية وحوكمة البيانات، في ظل حضور الشركات الصينية في تجهيزات الاتصالات والألياف البصرية.

 

كما تضع الدراسة هذه المسارات داخل السياق الجيوستراتيجي الأوسع للأطلسي الأفريقي، حيث تتقاطع مصالح الصين مع الاندفاعة الأوروبية في مجال الطاقة الخضراء والرقابة الأميركية على الممرات البحرية والبنية الرقمية، إلى جانب الحضور الروسي غير المباشر عبر الساحل. وتخلص إلى أن ما تواجهه موريتانيا ليس خيار الاصطفاف مع طرف على حساب آخر، وإنما تحدي إدارة التعددية وتحويل التنافس الدولي إلى مكاسب داخلية.
وتؤكد الدراسة أن معيار النجاح لا يقاس بحجم التمويلات أو بعدد المشاريع المعلنة، بل بما يبقى من قيمة داخل الحدود، سواء على شكل تشغيل بمهارات وطنية أو محتوى محلي قابل للتحقق أو حماية للسيادة الرقمية. ومن هذا المنطلق أوصت الدراسة بجملة من المبادئ التنظيمية أبرزها: تنويع الأسواق والشركاء، إرساء عقود شفافة قابلة للتدقيق، تعزيز المحتوى المحلي ونقل المعرفة، وحماية البيانات الوطنية عبر اختبارات أمنية مستقلة ودورية.

واختتم مركز أودغست دراسته برسم ثلاثة سيناريوهات محتملة للفترة 2026–2030، تعكس البدائل المطروحة أمام صانع القرار الموريتاني في إدارة العلاقة مع الصين. يقوم السيناريو الأول يقوم على "تعميق الشراكة"، أي التوسع في استدرار التمويل الصيني وتسريع تنفيذ المشاريع الكبرى في الموانئ والبنية الرقمية والموارد البحرية، بما يوفر عائدا ملموسا وسريعا، لكنه يحمل معه مخاطر ارتفاع درجة الاعتماد على شريك واحد وصعوبة التراجع عند الأزمات. ويقوم السيناريو الثاني على "بناء استقلالية تشغيلية تدريجية"، عبر تنويع الشركاء في المعادن وفي المجال الرقمي وفي الصيد، والاستثمار في تكوين الكوادر الوطنية وقدرات الصيانة المحلية، وهو مسار يضمن سيادة أكبر لكنه يتطلب وقتا أطول وكلفة مالية أعلى.

أما السيناريو الثالث فهو "المقاربة المشروطة بالقواعد الوطنية"، التي تجمع بين الاستفادة من التمويل الصيني السريع في القطاعات ذات العائد المباشر، وبين فرض قواعد وطنية صارمة يتم تطبيقها على جميع الشركاء من دون استثناء وتشمل: شفافية العقود، اشتراط محتوى محلي قابل للتحقق، اختبارات أمنية مستقلة للبنية الرقمية، وصناديق لمواجهة التأثيرات الاجتماعية والبيئية للمشاريع.
وتعتبر الدراسة أن هذا السيناريو الثالث هو الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق، لأنه لا يغلق الباب أمام التمويل الصيني الذي يظل عنصرا مهما في تنفيذ البنى التحتية، وفي الوقت ذاته يضمن بقاء القرار الوطني محكوما بقواعد واضحة تقلل من مخاطر الارتهان. وباعتماد هذا النهج، تستطيع موريتانيا أن تعظم المنافع الاقتصادية، وتوزع الاعتمادات بين شركاء متعددين وتقلص قابليتها للتعرض لصدمات خارجية، سواء في أسعار الحديد أو في استدامة الموارد البحرية أو في أمن البنية الرقمية.

أربعاء, 17/09/2025 - 15:04