
كان رجل من أولاد ديمان يعاني ألمًا في عينه اليمنى، وكان الألم شديدًا جدًا. ومن المعروف أن وجع العين عند “الديماني” لا يُذكر إلا إذا بلغ أقصى درجاته، فـ”الديماني” لا يشتكي إلا حين يصبح الألم فوق طاقة البشر. ومع ذلك، لم يكن هذا الوجع الشديد يزعج صاحبنا كثيرًا، إذ كان يقول في نفسه: «لا بأس، ما دامت الأمور عند هذا الحد، فلطالما كان يمكن أن تكون أسوأ بكثير.»
في أثناء ذلك، مرّ به رجل راكب على جمل، وكان هذا الراكب “جيكيًّا” فظيعًا. و”الجيكي” هو من أولئك الغرباء من غير الديمانيين، ممن يثرثرون لأتفه الأسباب، ويدسون أنوفهم في كل شيء. وقد لاحظ هذا “الجيكي” أن ابن ديمان يشكو من ألم في عينه — وكان حريًّا به ألا يلاحظ شيئًا كهذا، فـ”أولاد ديمان” لا يُفطن إلى أمرهم ولا يُسأل عن أحوالهم. لكن الراكب لم يكن من أولاد ديمان، ولهذا فعل ما طاب له، وبدأ يحدّثه عن “رجل ممتاز وصديق ماهر في علاج العيون عمومًا، والعيون اليمنى خصوصًا”. وألحّ وأطال الحديث حتى استجاب له صاحبنا، واقتنع – تطييبًا لخاطر الراكب أكثر من اقتناع بضرورة العلاج – بأن يزور الطبيب المذكور.
جمع صاحبنا متاعه القليل ووضعه في جرابه، وطلب من رفيقه الجديد أن يردفه حتى “بئر تمبيعل”، ومنها سيواصل طريقه وحده إلى الطبيب. وافق الراكب، وحمله خلفه على جمله العصبيّ، وانطلقا نحو “تمبيعل”. كانت آلام العين تزداد في الطريق، لكن الرجل واصل السير على قدميه نصف يوم باتجاه الشمال الغربي حتى وصل إلى الحيّ الذي يقيم فيه الطبيب.
كان الطبيب بالفعل رجلاً فائق الحماس والنشاط والحنكة — وفائق الاندفاع أيضًا. فما إن رأى الرجل قادمًا إلى خيمته حتى أدرك أنه مريض بالعين، فبادر بإشعال نار ضخمة وألقى فيها أدواته وسكاكينه وآلات حديدية كان يستخدمها في وسم الماشية. وما كاد المريض يقول “السلام عليكم” حتى اندفع الطبيب نحوه، واحتضنه أربع مرات، ثم أضجعه قسرًا على جلد يستعمله للصلاة وقال:
«الأمر بسيط جدًا، ولن يستغرق أكثر من طرفة عين! بالأمس فقط عالجت أربعة عشر من “ادغماجك”، واثنين من “اجمان”، ومئة وسبعة وخمسين من “ادوعل”، أي ما مجموعه مئتان وعشرة أشخاص!»
قال المريض في نفسه: «ربما هو ماهر في الطب، لكنه بالتأكيد ليس بارعًا في الحساب.»
ولم تمضِ لحظة حتى عاد الطبيب يحمل السكين، فاقتلع عين المريض اليسرى، وكوى مكانها بالنار. عندها أغمي على “الديماني”. وبعد قليل أفاق، فحمد الله بصوت عالٍ. أمره الطبيب أن يذهب ليستريح، ويعود في الصباح. خرج المسكين وقد فقد عينه اليسرى — التي لم تكن تؤلمه أصلًا — وقضى ليلته في “تمبيعل” مطمئنًا.
وفي الصباح، عاد إلى الطبيب، وهو يقول في نفسه إن هذا الرجل “محسن”، لأنه – بعد أن فقأ عينه السليمة – كان يمكنه أن يفقأ الأخرى، أو يقطع لسانه وأذنيه، أو حتى يذبحه، لكنه لم يفعل! «إنه بالفعل رجل ممتاز»، قالها بينه وبين نفسه.
فلأولاد ديمان نظرة نسبية للأشياء، ودم بارد لا نظير له.
استقبله الطبيب بحرارة شديدة، قبّله مرتين على وجنتيه، ونفش شعر رأسه، وربّت على ظهره، وسأله إن كان قد تناول طعامًا وكيف حال “العين”. تجاهل المريض السؤال الأول (فـأولاد ديمان لا يأكلون، أو يأكلون القليل جدًا)، وأجاب:
«العين بخير، أعني اليسرى التي عالجتموها، أما اليمنى التي كان بها الألم فما زال بها شيء منه.»
قال الطبيب:
«لكن أليست العين اليمنى هي التي عالجت بالأمس؟»
فأجاب المريض:
«ربما لم تكن هي، لكن على كل حال، الخطأ طفيف، وربما سببه قرب المسافة بين العينين.»
قال الطبيب:
«ولماذا لم تخبرني؟»
فردّ المريض:
«كنتم آنذاك منشغلين، ولم أشأ أن أزعجكم.»
قال الطبيب بحزم:
«إذن علينا الآن معالجة العين الأخرى.»
فقال المريض:
«ذلك ما أراه، ما دام هذا هو رأيكم.»
فتم اقتلاع العين الأخرى على الفور وكيّها بالنار.
واليوم، يقوم الثنائي: البنك الدولي وموريتانيا بإعادة القصة نفسها،
ونحن الآن نعيش مرحلة العين الاولى.
حبيب ولد محفوظ
جريدة القلم -2001



.jpeg)

.jpeg)