الساحل: من حرب العصابات إلى سياسة الأرض المحروقة

بعد لهيب المعارك، وملفات فِدى الرهائن، وعمليات إعدام المتهمين بالتجسس، وفرض الحصار على الطرق، انتقلت الجماعات الجهادية في فضاء الساحل إلى مرحلة جديدة من التصعيد تقوم على سياسة الأرض المحروقة، دون التخلي عن الأساليب السابقة.

ففي منطق هذه الجماعات، يُمثّل هذا الخيار ما يُعدّ «القرار الأخير» في الاشتباك مع خصم لا يزال صامدًا رغم ما تكبّده من خسائر. المصانع، ومواقع التنقيب عن الذهب، وحتى المنشآت الهندسية ذات التأثير المباشر على حياة السكان، لم تعد بمنأى عن الاستهداف. ومن ركام الدمار الجماعي، يُراد أن تنبثق «إمارة» جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.

وهذا النهج، وإن لم يكن جديدًا في حدّ ذاته، فإن التقليل من خطورته لا يمكن تفسيره إلا بالإهمال، نظرًا لتأثيره العميق على مآلات أي انتصار محتمل، حتى لو كان نصرًا بيروسيًا. تدريجيًا، تتوسّع دينامية التخريب لتشمل كامل فضاء تحالف دول الساحل.

 

مالي: تمكين ميداني وتراجع في حضور الدولة

 

في مالي، كثّفت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، المرتبطة بتنظيم القاعدة، مبادراتها العسكرية. فقد سيطرت، في 7 يناير 2026، على مقر لميليشيات موالية للسلطة المركزية في بلدة ديو بإقليم موبتي. كما استهدفت رتلًا تابعًا للقوات المسلحة المالية بعبوة ناسفة بدائية على محور بوغوني–كولوندييبا في إقليم سيكاسو.

 

وفي اليوم نفسه، بثّت الجماعة صورًا لاجتماع عُقد في تمبكتو بحضور مقاتلين ورجال دين ووجهاء محليين، في مؤشر على دخول مرحلة أكثر تقدّمًا من «التمكين»، أي تعزيز الارتكاز المجتمعي في شمال البلاد، وسط أجواء من هدوء ظاهري.

 

وفي سياق متصل، أفادت معطيات متطابقة بوقوع هجوم واسع في الوسط الغربي، ضمن مجال بافولابي بإقليم كاي، يوم 12 يناير. عشرات المسلحين على دراجات نارية استهدفوا عدة مواقع صناعية سبق أن تعرّضت لهجمات خلال صيف العام الماضي، حيث أُحرقت آليات ومعدات، واقتيد رهائن إلى جهة مجهولة. وتُظهر هذه العمليات تراجعًا ملحوظًا في حضور الدولة غرب البلاد، حيث بات المهاجمون يتحركون بحذر أقل.

 

في المقابل، أعلنت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة المالية تنفيذ ضربات جوية يوم 11 يناير ضد ثلاثة تجمعات للمسلحين غرب بيبلين وجنوب غابة كيكورو في إقليم ديولا، أسفرت عن تحييد نحو عشرة مقاتلين وتدمير عدد غير محدد من الدراجات النارية.

كما نُفذت ضربة ثانية جنوب شرق تينكليني في إقليم بوغوني، أدّت إلى مقتل عدد من المسلحين وتدمير عشرات الدراجات، فيما استهدفت الضربة الثالثة مركبة محمّلة بالمتفجرات شرق كيدال. وأفادت القوات المسلحة كذلك بإحباط محاولة كمين قرب ليري في إقليم تمبكتو، مع الإشارة إلى خسائر في صفوف الجماعة دون تفاصيل دقيقة.

 

وعلى الصعيد الاقتصادي، لا يزال شحّ المحروقات يربك اقتصادًا هشًّا أصلًا. فقد أعلنت شركة «سكاي مالي» في 6 يناير إلغاء بعض رحلاتها بشكل استثنائي بسبب نقص الكيروسين.

 

بوركينا فاسو: توسّع العمليات وتنوّع الأساليب

 

في بوركينا فاسو، عبّرت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين عن ارتياحها لتصاعد وتيرة عملياتها وتنوّع أساليبها. فقد تبنّت في 6 يناير اغتيال عنصرين من قادة ميليشيا «متطوعي الدفاع عن الوطن» قرب غا بإقليم كويلسي، ثم أعلنت في اليوم التالي السيطرة على موقع ثابت للجيش قرب باسوم.

 

وفي 10 يناير، انفجرت عبوة ناسفة أثناء مرور دورية موالية بين موسوكانتو وكالان في أقصى الجنوب المحاذي لساحل العاج، وهي منطقة كانت قد شهدت هدوءًا نسبيًا خلال الشهرين السابقين. وفي اليوم نفسه، دمّرت عبوة أخرى مركبة للميليشيا على طريق نْتو في مقاطعة لوروم بإقليم تانّونيان.

 

وخلال النهار، سيطرت الجماعة على موقع للميليشيا في بوسّيلا بإقليم كويلسي، ثم على موقع عسكري في 13 يناير بقرية كليو في إقليم يادغا.

 

ولم تسلم البنى التحتية من التصعيد، إذ جرى تفجير جزئي للجسر الرابط بين بنينا في مالي وجيباسو في بوركينا فاسو يوم 8 يناير، ضمن إقليم بانكوي. كما تعرّضت بلدة لانكويه لهجوم خاطف أدى إلى انسحاب الجنود وفرار المدنيين.

 

النيجر: ضغط عسكري وتوتر داخل التحالف

 

في النيجر، أعلنت الجماعة سيطرتها، يوم 9 يناير، على معسكرين قرب تورودي في إقليم تيلابيري. وبحسب روايتها، أسفرت العملية عن مقتل جنود، والاستيلاء على مركبات وأسلحة خفيفة ومتوسطة، وتدمير آليات، إضافة إلى تحرير مدنيين كانوا محتجزين لدى السلطات في إطار مكافحة الإرهاب.

 

هذا التصعيد المتزامن يضع تماسك تحالف دول الساحل على محكّ حقيقي. فمنذ 6 يناير، شرعت الحكومة النيجرية في فرض عقوبات على ناقلي الوقود الذين يرفضون إيصال الشحنات إلى داخل مالي، رغم أوامر التسخير الرسمية، بقرار وقّعه وزير النقل.

 

وعلى المستوى السياسي-الاقتصادي، استقبل وزير المناجم النيجري يوم 9 يناير سفير تركيا مرفوقًا بممثلين عن وزارة الطاقة والموارد الطبيعية ومسؤولين من شركات عمومية، في مؤشر على تحركات دبلوماسية-اقتصادية موازية للمواجهة الأمنية.

 

مركز رصد الساحل

أحد, 18/01/2026 - 23:53