القصة المنسية لأول تجربة طيران داخلي في موريتانيا

قبل أن تُعرف الخطوط الجوية الموريتانية بصيغتها المؤسسية لاحقًا، شهدت موريتانيا في نهاية خمسينيات القرن الماضي أولى التجارب العملية للطيران المدني المنتظم داخل البلاد، عبر شركة خاصة حملت اسم «إير موريتاني – Air-Mauritanie»، تأسست سنة 1959 بهدف تنفيذ رحلات جوية داخلية «عند الطلب»، في بلد شاسع المساحة وضعيف البنية الطرقية آنذاك.

 

الشركة، التي لم تكن تتلقى أي دعم حكومي، اعتمدت على طائرتين خفيفتين من طراز Jodel Mousquetaire، وكان أول تحليق رسمي لها بتاريخ 16 يوليو 1959. ورغم بساطة الإمكانيات، فقد نجحت في ربط عدد من المدن الداخلية بالعاصمة والمراكز الإدارية، من بينها: أطار، ألاك، كيهيدي، بوتلميت، كيفه، لعيون، نواذيبو، روصو، سيلبابي، وتيجكجة، مستخدمة مدارج ترابية قصيرة لا تتجاوز في بعض الأحيان بضع مئات من الأمتار.

 

وكان الرهان الأساسي لهذه المبادرة هو اختصار الزمن وكسر العزلة، إذ كانت المسافات الجوية أقصر بكثير من الطرق البرية التي تفرض التفافات طويلة عبر الصحراء. فعلى سبيل المثال، كانت الرحلة من نواكشوط إلى سان لويس السنغالية أقصر جواً بنحو الثلث مقارنة بالطريق البري.

 

ورغم أن المشروع كان خاصًا ومحدود الوسائل، فإنه شكّل النواة الأولى لفكرة النقل الجوي الداخلي في موريتانيا، وأسّس ثقافة الاعتماد على الطيران كوسيلة ربط وتنمية، قبل أن تتطور التجربة لاحقًا إلى إنشاء ناقل وطني رسمي حمل اسم الخطوط الجوية الموريتانية.

 

اليوم، وبعد أكثر من ستة عقود، تعود هذه الصفحات المنسية لتذكّرنا بأن الطيران في موريتانيا لم يبدأ بالأساطيل الحديثة، بل بطائرتين صغيرتين، ورؤية سبقت زمنها، وإرادة لربط الوطن من السماء حين كانت الطرق لا تزال في طور التشكّل.

 

أقلام

خميس, 22/01/2026 - 23:33