رحلة في بلاد الثلوج

كانت الطيور تحكم المكان كقياصرة قدماء. بجعٌ ضخم، ومالك الحزين واقفًا كتماثيل من ملح، وأسراب من طيور غير مرئية لا يُفصح عن وجودها سوى صراخها. كان الزمن هناك يسير على نحو مختلف. لا شيء على عجل. حتى تيار النهر الأسطوري بدا وكأنه يتأمل قبل أن يتقدم. كان مشهدًا يفرض الصمت، لا بالترهيب، بل بالبداهة.

هناك، على تلك المياه البطيئة، خرجتُ مع صديقي الروسي لصيد سمك الحفش. كان يعرف المنطقة معرفة حميمة: ضفافها الغادرة، تعرجاتها الخفية، لكن الأهم أنه كان يعرف الصيادين الذين عملوا فيها منذ أجيال. كانت تربطهم فيما بينهم شبكة من التضامن الصامت، قوامها الإشارات، واحترام المواقع، وخدمات تُقدَّم بلا حساب.
أما زورقنا، وهو قارب متين ذو جوانب بالية، فكان يحمل اسمًا يليق بعظمة النهر: جنكيز خان، سيد السهوب.

غادرنا المدينة قبل الفجر، وأطفأنا المحرك قبل بلوغ منطقة الصيد. في نهر الفولغا، الضجيج إهانة. وسمك الحفش كائن قديم، يكاد يكون ما قبل التاريخ، مدرعًا كذاكرة باقية.
«يُحترم كما يُحترم ما كان موجودًا قبلنا»، قال صديقي الأشقر ذو الملامح الآسيوية. أمّا التتار، سكان المنطقة، فهم مسلمون ومنحدرون من أصول مغولية.

كان الانتظار جزءًا من الصيد. كنا نراقب السطح، التموجات بالكاد تُرى، والتغيرات الدقيقة في التيار. ثم فجأة، توتر. قصير. بلا انتصار. لم تستدعِ اللحظة صراخًا ولا حركة زائدة. لقد منح النهر رضاه.
رُفعت الأسماك القليلة سريعًا إلى القارب، واستُخرجت بيوضها السوداء في الحال، وغُطّيت فورًا بطبقة سميكة من الملح. كانت الحركة دقيقة، تكاد تكون طقسًا، تعلمته الأيدي بدافع الضرورة وبالتوارث.

لم تمنعني بذلة التمويه من أن أُعرَف كأجنبي في عيون حراس الصيد. كانوا ينظرون إليّ بلا عداء، بمزيج من الفضول والحذر يميز المناطق الحدودية. كانوا يجوبون المكان، يجمعون الرشى من كل زورق، لكنهم أحيانًا يغضّون الطرف حين يتعلق الأمر بمن يعرفونهم، أولئك المنسجمين مع توازن المكان.
وكانت دهشتهم حقيقية حين ألقيت بنفسي في الماء بعد الصيد، وسبحت طويلًا مع التيار، بخفة سمكة. عندها تبدلت النظرات، وظهرت علامة اعتراف صامت، خفية لكنها محسوسة.

أُعدّت حساء الأوخا على الضفة، في بردٍ جاف يشحذ الروائح. كانت النار تفرقع بهدوء، موقدة بخشب فاتح. القدر، المهشم من كثرة الاستعمال، كان قد خدم ألف مرة من قبل. بدأنا برأس السمكة وعظامها، غُسلت طويلًا بماء النهر، ثم وُضعت في ماء بارد مع بصل كامل غير مقشر، وورقة غار، وحبات من الفلفل الأسود. لا شيء غير ذلك. كان الهدف من الغلي الأول استخراج روح السمكة، لا طمسها.

وعندما صار المرق صافيًا، شبه شفاف، أُضيفت القطع النبيلة من الحفش، مقطعة بسخاء، محترَمة. حبة بطاطس واحدة، أحيانًا اثنتان، لا أكثر. بقيت النار قوية لكن مضبوطة. فالأوخا لا تحتمل العجلة ولا العنف. إنها تتطلب انتباهًا دائمًا، نظرة أكثر مما تتطلب تقنية.

وفي الأثناء، كان لا بد من إصلاح كوخ الصياد الذي أثقلته قسوة الطقس. مهجورًا في غير موسمه، كانت زيارات صديقي المنتظمة تعيد إليه شيئًا من الحياة. لوح يُعاد تثبيته، قفل يُصلح، أو طبقة طلاء، كانت كفيلة بإنقاذه من السقوط في النسيان.

وفي الختام، ووفقًا للتقليد، غمس صديقي جذعًا مشتعلًا في القدر. لا لإطفاء الخشب، بل لفتح النكهة، وتطهير المرق، وختم اللحظة. كانت الحركة دقيقة، بلا استعراض. قُدّم الحساء ساخنًا، في أوعية معدنية، ونحن واقفون في مواجهة النهر. أُخذت الملاعق الأولى في صمت. احترامًا. ثم جاءت الكلمات، نادرة، موزونة، على قدر المشهد.

عادت أستراخان لتستعيد معناها الكامل. مدينة حدود، مدينة عتبة، ليست أوروبية تمامًا ولا آسيوية خالصة. إنها منطقة بينية، فضاء عبور، حيث تتشقق اليقينيات. وكان حضور الطلاب الموريتانيين فيها ذا دلالة خاصة: هم أيضًا يعيشون بين عالمين، يحملون جنوبًا بعيدًا، معتادين على أنواع أخرى من الصمت، وعلى أشكال مختلفة من الكرامة.

شكّلوا جماعة متماسكة، أخوية، تكاد تكون عائلية. كان الاستقبال بلا حساب، والمشاركة بلا عدّ. امتدت الأمسيات حول شاي حار، ونقاشات جادة وخفيفة في آن، عن السياسة الدولية، وعن الشعر العربي، وعن حنين الصحراء، وعن المستقبل أيضًا، بوضوح لا يخلو من أمل. وكانت منحة الوزارة تتيح تلك الحرية النادرة: أن تعيش بلا عوز، وتدرس بلا قلق، وتوجد بلا تبرير.

في تلك الفترة، كان النظام لا يزال قائمًا بفعل العادة أكثر من الاقتناع. كانت الشيوعية قد أخرجت قدمًا وبقيت الأخرى مغروسة في الهياكل. أما الخوف فكان لا يزال حاضرًا، منتشرًا في الهواء. لم تكن الشرطة السرية بحاجة إلى الظهور كي تكون موجودة. كنا نعلم. وكان ذلك كافيًا.

ومع ذلك، في هذا المشهد الآيل إلى الأفول، واصل نهر الفولغا جريانه، غير مكترث بالأيديولوجيات. واصلت أسماك الحفش هجرتها البطيئة. تقاطعت الشعوب، تحدثت، تعارفت. وبقيت أستراخان وفية لذاتها: مدينة لا تُروى بسهولة، لكنها تترك أثرًا عميقًا فيمن يأخذ الوقت للإصغاء إليها.

خلّفت لي تلك الرحلة في إقليم الفولغا السفلى ذكرى خالدة، حفظتها أغاني الصيادين. وكما جرت العادة، رافقتني في طريق العودة إلى روستوف على الدون قطعٌ نبيلة من الحفش المملح وعلبة نصف كيلو من الكافيار. لقد انتهت العطلة.

سيدي أحمد شين

ثلاثاء, 10/02/2026 - 09:44