
تعود إلى الواجهة، بين الفينة والأخرى، دعوات صادرة عن أطراف محسوبة على محيط السلطة تطالب بمراجعة المواد الدستورية المحصّنة، بما يتيح لرئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني الترشح لمأمورية رئاسية جديدة.
ورغم أن الرئيس لم يعبّر رسميًا عن أي نية في هذا الاتجاه، فإن تكرار هذه الدعوات يطرح تساؤلات جدية حول خلفياتها، وحول الكلفة السياسية والدستورية لأي مسار من هذا النوع.
ذاكرة قريبة لم تُمحَ
هذه المطالب ليست جديدة على المشهد السياسي الموريتاني. فقد شهدت سنتا 2017 و2018 حملات مماثلة دعت الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز إلى تعديل الدستور للبقاء في السلطة لمأمورية ثالثة، بذريعة الاستقرار واستكمال المشاريع الكبرى.
غير أن ولد عبد العزيز، في ذلك السياق، اختار عدم الاستجابة لتلك الضغوط، متمسكًا بسقف المأموريتين، وهو ما أتاح لاحقًا أول انتقال رئاسي منظم في تاريخ البلاد سنة 2019، ومنح النظام القائم آنذاك رصيدًا سياسيًا داخليًا وخارجيًا معتبرًا.
مفارقة الحاضر
اليوم، تعود الدعوات نفسها تقريبًا، لكن المفارقة أن بعضها يصدر من أطراف تدّعي الحرص على الرئيس الحالي أكثر مما تصدر عنه، ما يضع السلطة أمام وضع إشكالي:
ففتح نقاش حول تعديل المواد المحصّنة، حتى دون قرار فعلي، يعيد طرح سؤال الشرعية وحدود التغيير الدستوري، ويُنقل النقاش من حصيلة الإنجاز إلى مستقبل القواعد.
أصوات داعمة… ولكن رافضة
اللافت في هذا السياق أن التحذير من المساس بالمواد المحصّنة لم يصدر فقط عن المعارضة، بل أيضًا عن شخصيات سياسية تُصنَّف تقليديًا ضمن المجال الداعم للنظام أو القريب منه، من بينها جميل منصور ومحمد فال ولد بلال.
هذه الأصوات شددت، بوضوح متفاوت، على أن تعديل الدستور لفتح مأمورية ثالثة يمثل خطرًا على التجربة الديمقراطية، مهما كانت نوايا أصحابه أو موقع الرئيس المعني.
مخاطر المسار
أبرز المخاطر المرتبطة بتعديل المواد المحصّنة يمكن تلخيصها في عدة نقاط:
•كسر قاعدة التحصين يفتح الباب أمام إعادة تأويل الدستور مستقبلًا حسب موازين القوة.
•إضعاف الثقة في العقد الدستوري بوصفه ضامنًا للتداول السلمي.
•خلق استقطاب سياسي غير ضروري في لحظة استقرار نسبي.
•تقويض الصورة الخارجية للبلاد كنموذج انتقال هادئ في محيط إقليمي مضطرب.
ماذا قد يرى أنصار التعديل مكسبًا؟
في المقابل، يرى المدافعون عن الفكرة أن فتح مأمورية جديدة قد يضمن:
•استمرارية السياسات العمومية،
•تجنب صراعات الخلافة المبكرة داخل الأغلبية،
•والاستفادة من رصيد شعبي للرئيس الحالي.
غير أن هذه المكاسب، إن وُجدت، تظل قصيرة الأمد مقارنة بتكلفة استراتيجية قد تمس جوهر النظام السياسي نفسه.
القضية، في جوهرها، لا تتعلق بشخص رئيس الجمهورية، بل بحدود القاعدة الدستورية.
والتجربة القريبة أثبتت أن احترام سقف المأموريتين هو ما منح النظام الحالي شرعيته، ووفّر له هامش الاستقرار الذي ينعم به اليوم.
وأخطر ما قد يواجه أي نظام مستقر، ليس المعارضة أو الضغوط الخارجية، بل إغراء تغيير القواعد باسم الاستقرار، لأن كسر القاعدة مرة واحدة يكفي لتحويل الاستثناء إلى قاعدة دائمة.



.jpeg)

.jpeg)