
شهد ملف الصحراء الغربية خلال الأشهر الأخيرة تطورات لافتة، مع انتقال النقاش من العموميات الدبلوماسية إلى تفاصيل مؤسساتية دقيقة. فبعد ما يقارب عقدين على طرح المغرب مبادرته للحكم الذاتي سنة 2007، تشير المعطيات المتداولة حول نسخة 2026 إلى تحوّل نوعي في بنية المقترح، من وثيقة سياسية إطارية إلى مشروع هندسة مؤسساتية متكامل.
سياق دولي جديد
استضافت واشنطن يومي 23 و24 فبراير 2026 الجولة الثالثة المتتالية من المشاورات الدولية حول النزاع، في إطار تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في أكتوبر 2025، والذي دعا إلى استئناف العملية السياسية “دون شروط مسبقة”، واعتبر المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساسًا واقعيًا وقابلًا للتطبيق لتسوية سياسية.
الجولة جرت برعاية مباشرة من الإدارة الأمريكية، وبحضور مبعوث الأمم المتحدة الشخصي للصحراء الغربية ستافان دي ميستورا، إلى جانب وزراء خارجية المغرب والجزائر وموريتانيا، وممثلين عن جبهة البوليساريو. ووفق مصادر غير رسمية، فقد تمحورت النقاشات حول ما بات يُعرف بـ“خريطة طريق مدريد 2026”، التي يُنتظر أن تؤطر المرحلة المقبلة من المفاوضات.
من خطاب السيادة إلى هندسة الحكم
المعطيات المتداولة بشأن النسخة المحدّثة من المخطط المغربي تشير إلى انتقال واضح من مقاربة سياسية عامة إلى تفصيل مؤسساتي دقيق. ففي حين ركز مقترح 2007 على مبدأ منح الأقاليم الصحراوية حكمًا ذاتيًا واسعًا تحت السيادة المغربية، تتضمن نسخة 2026 – بحسب ما تم تسريبه – عناصر أكثر تحديدًا، من بينها:
-إنشاء برلمان جهوي بصيغة ثلاثية التمثيل؛
-تنظيم واضح لتقاسم الموارد الطبيعية بين الجهة والدولة المركزية؛
-آليات رقابية وقضائية تضبط العلاقة بين السلطات الجهوية والسيادة الوطنية؛
-تثبيت مبدأ المصادقة السيادية النهائية على القرارات الاستراتيجية.
هذا التطور يعكس، وفق محللين، انتقال النقاش من جدل الشرعية السياسية إلى مستوى “الهندسة الدستورية”، بما يجعل المقترح أقرب إلى نموذج حكم ذاتي مؤطر بدقة قانونية وإدارية.
“التسريبات” كأداة دبلوماسية
يرى بعض الخبراء أن ما يُتداول من تفاصيل تقنية حول المفاوضات ليس مجرد تسريبات عرضية، بل يندرج ضمن ما يُعرف بـ“بالونات الاختبار” الدبلوماسية، أي نشر معلومات محددة لقياس ردود فعل الأطراف المعنية والعواصم المؤثرة قبل بلورة صيغة نهائية.
وتشير القراءة التحليلية إلى أن واشنطن انتقلت من دور الراعي إلى دور “مهندس الحل”، عبر الدفع نحو مقاربة عملية تتجاوز الجدل التاريخي، وتركز على آليات تنفيذ قابلة للتطبيق ضمن جدول زمني محدد.
نموذج هجين للحكم الذاتي
إذا ما تأكدت المعطيات المتداولة، فإن نسخة 2026 قد تقدم نموذجًا هجينًا يجمع بين الحكم الذاتي الواسع والرقابة السيادية المركزية، في صيغة قد تعيد تعريف مفهوم “الاستقلال الذاتي” ذاته داخل النزاعات الإقليمية.
غير أن المسار لا يزال رهين توافق الأطراف الأربعة المعنية (المغرب، الجزائر، موريتانيا، وجبهة البوليساريو)، إضافة إلى موقف الأمم المتحدة ومجلس الأمن، في ظل تعقيدات إقليمية مرتبطة بأمن الساحل، والطاقة، والتوازنات المغاربية.
مرحلة حاسمة
المشاورات المرتقبة قبل نهاية أبريل قد تشكل اختبارًا حاسمًا لإمكانية الانتقال من مرحلة التفاوض المفتوح إلى اتفاق-إطار سياسي يضع جدولًا زمنيًا ملزمًا للتنفيذ، بعد سنوات من الجمود.
وفي انتظار ما ستسفر عنه الجولات المقبلة، يبدو أن ملف الصحراء الغربية دخل مرحلة جديدة عنوانها: التفاصيل المؤسسية بدل الشعارات، وآليات التطبيق بدل الخطابات العامة.



.jpeg)

.jpeg)