
توجد في العالم أممٌ ومجتمعات متماسكة رغم اختلاف أعراقها وألوانها وألسنتها وثقافاتها، بل وأديانها في بعض الأحيان، ويعود ذلك التماسك لكون تلك المجتمعات جعلت رابط المواطنة هو الرابط الوحيد الذي يُسيّر اختلافاتها وتنوعها، ويضبط في الوقت نفسه علاقة كل فرد منها بالدولة. وفي المقابل، توجد أمم ومجتمعات أخرى تمتلك كل مقومات الوحدة والتماسك الاجتماعي، ولكنها فشلت في خلق انتماء وطني جامع قائم على رابط المواطنة، فظلت أسيرة للانتماءات الضيقة والصراعات الهامشية، مما جعلها تدخل تدريجيا في مسار من التشظي والانقسام، أصبح فيه الوطن مجرد إطار جغرافي يضم جماعات متجاورة لا شعبا واحدا، ثم تطور الأمر لاحقا إلى أن دخلت تلك الجماعات في صراعات وفتن داخلية، فكثير من الدول من حولنا، لم تصبح دولا فاشلة بسبب حروب خارجية، وإنما بسبب حروب داخلية كانت نتيجة لما عرفته مجتمعاتها من تشظ وانقسام، ومن تنام لخطابات الكراهية، وصعود للهويات الضيقة على حساب الهوية الوطنية الجامعة.
إن من يتابع نقاشات بعض النخب الموريتانية في مواقع التواصل الاجتماعي، بل وفي بعض المؤسسات الإعلامية، سيساوره قلق كبير من التآكل التدريجي للانتماء الوطني الجامع ولقيم المواطنة في تلك النقاشات. صحيحٌ أن عموم الشعب الموريتاني من مختلف المكونات والأعراق لا مشاكل لديه على مستوى التعايش والانسجام المجتمعي، ولكن الصحيح أيضا، أن نخب التشظي من مختلف المكونات والأعراق تعمل ـ بقصد أو عن غير قصد، بوعي أو بغير وعي ـ على تفكيك الانسجام القائم بين مكونات وشرائح المجتمع، وخلق عداءات وهمية بين تلك المكونات والشرائح.
إنها تسعى ـ بما يظهر من أقوالها وأفعالها ـ إلى تقسيم هذا الشعب الطيب المتآخي إلى مجموعات متنافرة، لكل منها سرديتها، ومظلوميتها، وأولوياتها الخاصة، وأحيانا أبطالها وأعداؤها الخاصون.
لقد أصبح من النادر في أيام الناس هذه أن تسمع من تلك النخب أي حديث عن موريتانيا الواحدة الموحدة، عن قضاياها ومصالحها الكبرى، بل أصبح حديث تلك النخب يدور أساسا حول الأعراق والشرائح والقبائل والجهات. وإذا ما استمر الحال في هذا الاتجاه، فقد يأتي على الموريتانيين زمانٌ تصبح فيه كلمات مثل "موريتانيا" و"الوطن" و"بلادي" كلمات نادرة التداول في النقاشات العامة، بل وربما تصبح جزءا من تراث قديم بالنسبة للأجيال القادمة.
من المعلوم بداهة أن النخب هي التي تبني الوعي أو تهدمه، وأنها هي التي توسع دائرة المشترك أو تضيقها، ونخب التشظي عندنا يبدو أنها عاقدة العزم على تضييق دائرة المشترك بين المكونات والشرائح، وعلى هدم الوعي بالمواطنة وقيمها، وهو وعيٌ لم يكن قد نضج أصلا منذ تأسيس الدولة الموريتانية وحتى اليوم، وذلك مما يسهل هدمه، مع الاعتراف بأن أمسنا في الوعي بقيم المواطنة كان أفضل من حاضرنا، فالديمقراطية التي كنا نعتقد بأنها ستعزز من قيم المواطنة تسببت في المزيد من تآكل تلك القيم، ومواقع التواصل الاجتماعي التي كنا نعتقد أنها ستزيد من مستوى الوعي، تسببت في تراجع ذلك الوعي، بعد أن تربَّع التافهون والشعبويون وأصحاب الخطابات الضيقة، على منابر الوعظ والإرشاد فيها، وقد مكنتهم الخوارزميات من ذلك، بما منحتهم من مساحة واسعة، جعلتهم أكثر تأثيرا من النخب الجادة التي تتبنى خطابا وطنيا جامعا.
للأسف الشديد، لم تترسخ قيم المواطنة بشكل قوي في نفوس الموريتانيين منذ تأسيس الدولة الموريتانية وحتى اليوم، وظلَّ تعزيز قيم المواطنة يواجه في كل مرحلة تحديات من نوع خاص، ويمكن في هذا الإطار أن نتحدث عن أربع مراحل، والغريب أن قيم المواطنة كانت تتآكل أكثر مع كل مرحلة جديدة، مع أن المتوقع أصلا أن تتعزز تلك القيم مع كل مرحلة جديدة.
أولا: مرحلة الاستعمار
قبل الاستقلال، لم يعرف الموريتانيون الدولة بمفهومها الحديث، فالدولة المركزية لم تظهر على هذه الأرض إلا مع مجيء المستعمر، ولذلك فقد ارتبطت في أذهان الناس بالمستعمر، فنظروا إليها نظرة سلبية وعدائية، وعدُّوها كيانا غريبا لا يُشرف الانتماء إليه. لقد كان من الطبيعي جدا أن يتخذ الموريتاني موقفا عدائيا من الدولة في تلك الفترة، فالوطنية في تلك المرحلة كانت تعني الوقوف ضد دولة المستعمر ومواجهة سلطته الحاكمة.
ثانيًا: مرحلة من الاستقلال إلى الديمقراطية (1960 ـ 1991)
من الناحية النظرية، كانت هذه المرحلة هي الأنسب لغرس بذور المواطنة، وتشكيل خطاب وطني جامع يلتف حوله الجميع، لكن غرس قيم المواطنة واجه في هذه المرحلة عائقين كبيرين حالا دون ذلك.
العائق الأول: الإيديولوجيا
لقد تجذرت الإيديولوجيات في نفوس النخب في تلك الفترة قبل أن تترسخ فيها قيم المواطنة، فأصبحنا نسمع عن الكادحين، والبعثيين، والناصريين، والإسلاميين، قبل أن نسمع عن "الموريتانيين". لقد بدأ هرم الانتماء مقلوبا عندنا، فغُرست الانتماءات الفكرية والأيدولوجية في النفوس قبل أن تُغرس فيها جذور الانتماء الوطني، فكان الوعي الإيديولوجي سابقا على الوعي الوطني، وهذه حالة نادرة من "الوعي المقلوب" عاشتها النخب في بلادنا بعد الاستقلال.
العائق الثاني: الامتداد العرقي خارج الحدود
تتشكل موريتانيا من مكونات وأعراق متعددة، لكلٍّ منها امتداداته خارج الوطن، شمالا أو جنوبا. ولأن تلك الامتدادات العرقية كانت توجد في دول قائمة قبل قيام دولتنا، فقد أثّر ذلك سلبا على الانتماء الوطني. لقد رأى بعض الموريتانيين في انتماءاتهم العرقية رابطة أقوى من رابطة المواطنة، جعلت الأخ في العرق من خارج الحدود، أقرب عند البعض من الأخ في الوطن، المنحدر من مكون آخر.
ثالثا: مرحلة الديمقراطية
حين انطلق في مطلع التسعينيات، ما سميناه بالمسلسل الديمقراطي، كنا نظن حينها أن الديمقراطية ستعزز من قيم المواطنة وتقوي من الخطاب الوطني الجامع، لكن الذي حدث كان عكس ذلك تماما. لقد انطلق المسلسل الديمقراطي قبل أن تتشكل في بلادنا مؤسسات مدنية قوية من أحزاب سياسية، ونقابات مهنية، وجمعيات أهلية، فلجأ الساسة ـ وخاصة من يدعم منهم الأنظمة الحاكمة ـ إلى الخطاب القبلي والعرقي والجهوي لحشد الجماهير، وأصبحت القبيلة والعرق والجهة حاضنة ووسيلة لتعزيز المكانة السياسية من خلال استقطاب الناخبين في كل موسم انتخابي. ثم ظهرت في مرحلة لاحقة الخطابات الفئوية والشرائحية لدى بعض الساسة المعارضين، كردة فعل من نخب لم تجد قبائل تعبّئها، فاستنهضت شرائحها لتحقيق مكاسب سياسية، وكانت النتيجة في المحصلة النهائية أن أصبح الولاء للقبيلة، أو الجهة، أو الشريحة، أقوى من الولاء للوطن. وهكذا، كانت المفارقة المؤلمة، فالديمقراطية التي كنا نرجو منها أن ترسخ قيم المواطنة، وتبني هوية وطنية جامعة، ساهمت في تآكل قيم المواطنة، وصعود الخطابات والانتماءات الضيقة على حساب الخطاب والانتماء الوطني الجامع.
رابعا: مرحلة تصاعد تأثير منصات التواصل الاجتماعي
مع تنامي تأثير منصات التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة، وبعد أن أصبح مستوى الحضور والقدرة على التأثير من خلال تلك المنصات تصنعه الخوارزميات، والتي لا تهمها قوة الفكرة ولا جدية الخطاب، وإنما يهمها مستوى التفاعل مع ما ينشر، والجمهور يتفاعل في الأغلب مع المحتوى التافه والمسيء، ومع الخطابات الشعبوية والخطابات القائمة على الهويات الضيقة، أكثر من تفاعله مع المحتوى الجاد القائم على الخطاب الوطني الجامع.
ومما يزيد من خطورة الأمر أن النخب الجادة التي يتراجع مستوى تأثيرها بشكل كبير، لم تدرك حتى الآن أن عناوين الصراع يجب أن تتغير، فإذا كانت الصراعات الإيديولوجية متفهمة في الستينيات والسبعينيات وربما الثمانينيات من القرن الماضي، وإذا كانت الصراعات السياسية بين الموالاة والمعارضة كانت وما تزال مبررة، وإذا كانت صراعات الأجيال بين الشباب الطامح للمشاركة ومن هم أكبر سنا، ممن يتحكم في مفاصل الدولة صراعات وجيهة. أقول إذا كانت كل تلك الصراعات إما أن تكون متفهمة، أو مبررة، أو وجيهة، فإنها مع ذلك أصبحت اليوم من الناحية الاستراتيجية صراعات غبية جدا، لأن كل المشاركين فيها بغض النظر عن انتماءاتهم الإيديولوجية، وتخندقاتهم السياسية، وشرائحهم العمرية، باتوا جميعا مهددين في ظل صراع آخر لم يدركوا حتى الآن خطورته.
كل أولئك المتصارعين سيتم طردهم من مواقع التأثير من طرف التافهين والسطحيين والشعبويين ومروجي الخطابات الضيقة، والذين باتوا يسيطرون ـ بالفعل ـ على منصات التواصل الاجتماعي، ولذا فإن عناوين الصراع يجب أن تتغير بشكل جذري، ليصبح الصراع بين الجدية والتفاهة، وفسطاط الجدية يجب أن يجتمع فيه كل الجادين بغض النظر عن انتماءاتهم الإيديولوجية ومواقفهم السياسية وفئاتهم العمرية، فهم إن لم يفعلوا ذلك فإن تيار التفاهة سيجرفهم جميعا. ومن عناوين الصراع الجديدة التي يجب أن تفتح، الصراع بين الخطاب الوطني والهوية الجامعة من جهة، وخطابات التشظي والهويات الضيقة من جهة أخرى.
ختاما
إن من يتأمل هذه المراحل الأربع، سيدرك بوضوح أن قيم المواطنة لم تتجذر بما يكفي في أي مرحلة من مراحل تاريخنا، وأنها مع كل مرحلة جديدة تزداد تآكلا، ولهذا، ولمواجهة هذا التآكل تشكل "ميثاق المواطنة"، والذي يرى أن معركة المواطنة لم تعد اليوم قضية ثانوية أو ترفا فكريا، بل هي معركة وجودية تتوقف عليها وحدة موريتانيا واستقرارها ومستقبل أجيالها القادمة.
حفظ الله موريتانيا..
محمد الأمين الفاضل
[email protected]



.jpeg)

.jpeg)