لم يعد التداول على السلطة خيارًا، بل أصبح ضرورة وطنية

منذ فترة، يتكرر بإلحاح سؤال في النقاش العام: من سيكون وريث شاغل القصر الرئاسي الحالي؟

إن هذا التساؤل يعكس استمرار ثقافة سياسية موروثة عن نظام ظلّ فيه الحكم ينتقل طويلًا داخل دائرة واحدة، على حساب السيادة الشعبية. كما يستحضر سابقة معروفة تعود إلى سنة 2019، حين تم اختيار أحد أعضاء المجلس العسكري المنبثق عن استيلاء على السلطة بالقوة لضمان استمرارية النهج القائم.

غير أن هذه الصيغة لم تعد قابلة للتكرار. فقد أصبحت اليوم خطًا أحمر يرفض الموريتانيون السماح بتجاوزه مرة أخرى.

وبعد نصف قرن من الهيمنة، لم يعد التغيير مجرد رغبة سياسية، بل أصبح مطلبًا وطنيًا ملحًا. ولم يعد التداول على السلطة موضوعًا قابلًا للتفاوض، بل غدا شرطًا أساسيًا لإعادة بناء الدولة، واستعادة الثقة العامة، وفتح أفق جديد أمام البلاد.

وإذا كان من لا يزالون يمسكون بزمام السلطة يعتقدون أنهم قادرون على إطالة أمد هذه الدورة إلى ما لا نهاية عبر التلاعب بالمؤسسات، أو من خلال الترتيبات التي تُدار خلف الكواليس، أو بواسطة آليات التحكم الموروثة من الماضي، فإنهم يرتكبون خطأً جسيمًا في التقدير. فموريتانيا لم تعد قابلة للحكم بعقلية الأمس وأساليبه.

إن نتائج سوء إدارة هذا النظام خلال نصف قرن باتت واضحة للعيان: هشاشة مؤسسية، وتراجع في الثقة، وانسدادات سياسية، وتأخر متراكم في مختلف المجالات، وإضعاف متواصل لهيبة الدولة وقدرتها. وهذه الحقائق لم تعد محل جدل، بل أصبحت معروفة داخل البلاد وخارجها.

إن محاولة فرض استمرارية جديدة اليوم، بأي شكل من الأشكال، تعني تجاهل الواقع والمغامرة بدفع البلاد نحو قطيعة لا يستطيع أحد تقدير عواقبها. فعندما تُغلق جميع سبل التغيير، تصبح الخيارات الأخرى كلها مطروحة وقابلة للأخذ بها بجدية.

لقد أصبح القرار اليوم بيد السلطة، وعليها أن تختار ما إذا كانت تريد مواكبة انتقال هادئ ومنظم ينسجم مع تطلعات الشعب، أم أنها تفضل المضي في منطق المواجهة مع شعب تراكمت أسباب استيائه وإحباطه على مدى عقود.

إن كل محاولة للتلاعب، وكل سعي إلى فرض خلافة مُعدّة سلفًا أو استمرارية مقنّعة للنظام القائم، قد تدفع البلاد إلى مسار لا يرغب فيه أحد، لأن الموريتانيين لم يعودوا يريدون استقرارًا يقوم على الجمود السياسي.

وإذا وُضعت البلاد يومًا أمام خيار حاسم بين استمرار النظام الحالي أو القطيعة معه، فإن الموريتانيين سيختارون كل ما من شأنه أن يطوي صفحة الاستمرارية المفروضة ويفتح الباب أمام مستقبل مختلف.

 

لبات ولد المعيوف

جنرال متقاعد 

خميس, 23/07/2026 - 08:52