
قصة الفيلسوف اليوناني ديوجين مشهورة، فقد خرج ذات يوم في رابعة النهار ، وفي يده مصباح مضاء، وأخذ يتجول به في شوارع أثينا كأنه يبحث عن شيء أضاعه ؛ استغرب الناس أمره فقد كانوا يعهدونه معتزلاً، لا يخالط أحداً ولا يعنيه ما يعني الناس، فأقبلوا عليه يسألونه عما يبحث عنه، فقال: إني أبحث عن رجل.
لم يكن ديوجين يبحث، بالطبع،عن رجل بالمعنى البيولوجي للكلمة، فقد كانت أثينا مليئة بالرجال، كان يبحث عن الإنسان الذي يطابق فعله قوله، وعن الشخص الذي لا تفسده الجماعة ولا تشتريه المصلحة ولا يخيفه قول الحقيقة؛ كان يبحث عن نموذج نادر من البشر، رجل يستطيع أن يقف وحده عندما تقف المدينة كلها في الاتجاه الآخر.
لو استعرنا هذه الحكاية، بما يسمح به إغراء إسقاطها على واقعنا، ثم أخرجنا ديوجين من أثينا القديمة وأنزلناه اليوم في شوارع نواكشوط، يتجول بمصباحه، متفرساً في وجوه السياسيين والمثقفين والوجهاء والضباط ورجال الدولة، لكان السؤال الذي سيرد إلى ذهني وأنا أتابع بعض السجالات هذه الأيام هو : هل يكون لبات ولد المعيوف هو الرجل الذي يبحث عنه ديوجين؟
ليس السؤال هنا سؤال إعجاب بشخص، ولا هو محاولة لمنح الرجل بطولة مجانية؛ بل إن قيمة السؤال تكمن تحديداً في أن لبات ولد المعيوف يبدو، في مسيرته، وكأنه خرج من المسار الذي اعتدناه لشخصية "مرموقة" على الطريقة الموريتانية.
فالرجل لم يكن عسكرياً عادياً، فقد وصل إلى قيادة الأركان الخاصة لرئاسة الجمهورية، بعد أن تولى قيادة تجمع أمن الطرق، قبل أن يحال إلى التقاعد سنة 2017.
لكن ما يجعل سيرته مثيرة للاهتمام ليس المناصب التي شغلها، وإنما ما فعله بعد أن خرج من المؤسسة التي صنعت مكانته.
ففي العادة، عندما يغادر العسكري الكبير المؤسسة العسكرية، يغادر معها صوته السياسي ويغادر معها رأيه الحر، يختار الصمت، و يكتفي بالمراقبة من بعيد، أو يندمج في شبكة العلاقات التي صنعتها سنوات الخدمة.
أما الجنرال المتقاعد لبات فقد اختار طريقاً آخر، انتقل من المؤسسة إلى السياسة الحرة، ومن موقع الرجل الذي كان جزءاً من الدولة إلى موقع الرجل الذي يتحدث عن الدولة دون مجاملة ودون تطلع لرضى المؤثرين والنافذين؛ هنا محل الاسقاط في قصة ديوجين، لأن الرجل الذي كان يبحث عنه الفيلسوف اليوناني لم يكن صاحب منصب، وإنما صاحب استقلال في الموقف، ولبات، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا معه، يمتلك هذه الخاصية التي أصبحت نادرة في الحياة العامة، أي أنه لا يبدو شديد الحرص على أن يكون كلامه مريحاً، او مسايرا للركب.
كنت أقرأ مقالاته في موقع أقلام حرة، وكانت مقالاته تظهر أحياناً إلى جانب مقالاتي ، وكنت أستغرب من هذا الجنرال المتقاعد، القادم من عالم المؤسسة العسكرية ومن عائلة سلاح عريقة، أن تتقاطع رؤيته مع رؤيتي في كثير من القضايا، وخصوصاً في تلك التي ترتبط بالسيادة والمستقبل، كان الأمر بالنسبة لي غير طبيعي.
ولأنه كان غير طبيعي، كنت أكتفي بقراءة مقاله، ثم أنساه، ربما لأنني لم أكن أعرف أين أضعه، فالرجل الذي كنت أقرأه لم يكن يشبه الصورة التي كنت أختزنها عن جنرال موريتاني متقاعد، كما أن أفكاره لم تكن دائماً تشبه ما كنت أتوقعه من رجل قادم من دوائر النفوذ العليا.
ومع مرور الوقت، بدأت أفهم أن هذه المفارقة نفسها هي ما يجعل السؤال عن لبات اليوم أكثر إثارة للاهتمام.
فديوجين لم يكن يبحث عن رجل قوي، ولا عن صاحب منصب، لأن ديوجين لم يكن يبحث عن قائد جديد لأثينا وإنما عن رجل مختلف؛ رجل لا تقول خلفيته شيئاً عن أفكاره بالضرورة، ولا تمنعه طبقته أو موقعه السابق من أن يرى الأشياء من زاوية أخرى.



.jpeg)

.jpeg)