من يلبي لمن؟

بعد انتظار دام ثلاث سنوات، اجتمع في نواكشوط يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026، في النسخة الأولى من منتدى الجاليات الموريتانية في الخارج، أكثر من خمسة وعشرين ممثلاً للجالية من مختلف دول العالم.

جاءوا يحملون معهم العديد من المطالب والإشكاليات التي تواجه جالياتنا في الخارج، في مجالات مختلفة: التعليم، الصحة، الحالة المدنية، وغيرها. ولأنهم انتظروا طويلاً، جاءت مطالبهم كثيرة، دفعة واحدة. وهذا أمر مفهوم، فهذه المطالب مشروعة في أصلها.

إلا أن كثرة المطالب يُضعف من تحقيقها..

فعندما تُعرض كل هذه المطالب دفعة واحدة، وأمام الإعلام، يتحول المنتدى في ذهن المشاهد من منتدى شراكة إلى منتدى طلب. ويتحول الممثل من شريك في التنمية إلى صاحب حاجة ينتظر الحل.

وقد زاد هذا الانطباع أن بعض المطالب بدت أكبر من الواقع نفسه، مثل طلب قطع أرضية لأفراد الجالية في الخارج، في وقت لم تستطع فيه الدولة أن توفرها لمواطنيها داخل موريتانيا، ممن يعيشون ظروفاً صعبة. وهنا يبدأ السؤال: هل هذه المطالب تعكس حاجة حقيقية، أم تعكس سقف توقعات ارتفع أكثر من اللازم بعد طول انتظار؟

ومن هنا ندخل إلى الإشكال الأعمق: إشكال الخطاب

فالمشكلة لم تكن في المطالب نفسها، بل في طريقة تقديمها إعلاميا. فبعض ممثلي الجاليات، وهم يتحدثون للإعلام، اعتمدوا خطابا يركّز على سرد المعاناة وتعداد النواقص، وهو خطاب يراد به نقل صورة الواقع، لكنه حين يُنقل على الهواء، يُقرأ عند المتلقي على أنه خطاب استجداء.

وهنا تكمن خطورة الإعلام: فالإعلام لا ينقل الكلام كما قيل، بل كما يُفهم. فقد يأخذ جملة من سياقها، ويجتزئ تصريحا من حديث طويل، ويعيد تركيبه في عنوان مثير، فيتحول القصد الصادق إلى صورة مشوهة.

كم أن هذا الخطاب لم يكن موحدا، فكشف تفاوتا بين الجاليات، فمن الممثلين من تحدث بلغة الحقوق والهوية، ركّز على تعليم أبناء الجالية، والحفاظ على لغتهم وثقافتهم، وهي لغة تعكس استقراراً ووعياً بالانتماء. ومنهم من تحدث بلغة الاحتياج اليومي، ركّز على العلاج والمساعدات والمتطلبات الأساسية، وهي لغة تعكس هشاشة في الوضع المعيشي.

وبين اللغتين، ظهر في الصورة الإعلامية ما يمكن أن يُستغل كتمايز طبقي بين الجاليات نفسها، ولذلك، كان الأجدر أن تُدار هذه التفاصيل بعيدا عن الكاميرا

فطالما أن هؤلاء الممثلين وصلوا أصلا إلى مركز القرار، وأتيحت لهم فرصة الجلوس مع الوزراء والمسؤولين، فإن مكان هذه الملفات الدقيقة هو الورش والجلسات المغلقة، حيث تُناقش الأرقام، وتُدرس الحالات، وتُقترح الحلول بهدوء.

أما ما يخرج للإعلام، فكان ينبغي أن يكون صورة أخرى: صورة الشراكة، صورة الجالية التي جاءت لتساهم، لا للتشكّي فقط وسرد الطلبات. فالإعلام لا يرحم التفاصيل الدقيقة، بل يستغلها، ويحوّلها أحيانا إلى مادة للجدل، باختلاف أفكار الناس وعقولهم.

كما أن المنتدى لم يكن لتلبية مطالب الجاليات فقط، ففي خطاب الدولة نفسها. قال الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، كما نشرته الوكالة الموريتانية للأنباء:
"إن تنظيم هذه النسخة الأولى من منتدى الجاليات الموريتانية في الخارج يصدر عن إرادة وطنية قوية في الانتقال بالعلاقة بين الدولة ومواطنيها في الخارج إلى مستوى جديد أكثر تنظيما وفعالية، قوامه التشاور المستمر وصون الحقوق وتيسير الخدمات وتعبئة الكفاءات وتوسيع فرص المشاركة في التنمية الوطنية".

ثم وضع المعادلة كاملة في جملة واحدة، لا تقبل التأويل:
 "الإقامة في الخارج لا تلغي حقوق المواطنين ولا تعفي الدولة من مسؤولياتها تجاههم، ولا تعفي المغتربين من واجباتهم تجاه الوطن"

أي أن العلاقة فيها حق وواجب من الطرفين، وليست علاقة طرف يطلب وطرف يعطي.

وهذا يقودنا إلى النقطة الجوهرية في الخطاب: كيف نظرت الدولة إلى الهجرة نفسها؟

فالدولة لم تنظر إلى الهجرة على أنها مشكلة، بل كفرصة. قال الرئيس:
 "الهجرة ظاهرة طبيعية أسهمت على مر التاريخ بدوافعها الفردية والجماعية المتنوعة في إثراء المجتمعات والحضارات، وتطوير عمران البشر، فكانت جسرا لانتقال المعارف والخبرات وتبادل المنافع"

والفرصة موجودة فعلا: أبناء الجالية يمكن أن يعودوا بثقافات وخبرات واستثمارات جديدة، ويكونوا جسرا بين موريتانيا والعالم.

لكن هذا الجسر، حتى يكتمل، يحتاج أن نفهم لماذا خرجوا أصلا.

فنحن نتكلم عن نحو 400 ألف مهاجر، من بلد سكانه نحو 5.46 مليون نسمة، أي نحو 7% من السكان، تقريباً واحد من كل ثلاثة عشر موريتانياً. وهذا الرقم لا يمكن أن يُقرأ على أنه مجرد "ظاهرة طبيعية" فقط، بل هو أيضا مؤشر على أن الداخل لم يكن كافيا لاستيعابهم.

ولذلك، فإن العودة لا تأتي بالخطاب وحده، بل باستعادة الثقة: في تيسير الخدمات، وفي البنية التحتية، وفي بيئة الاستثمار. عندها فقط يعود أبناء الجالية للاستثمار في بلدهم، بالمال أو بالأفكار والتخطيط والكفاءات.

وهنا نعود إلى السؤال الذي بدأنا منه.

فالمنتدى، في حقيقته، ليس منتدى بناء وتمنية من طرف واحد، بل منتدى أخذ وعطاء. الحكومة تطلب من أبنائها في الخارج، والجاليات تطلب من حكومتها. وكل طرف جاء يحمل قائمة، وكل طرف ينتظر من الآخر أن يبدأ.

فمن سيلبي لمن؟

هذا ما ستجيب عنه النسخة القادمة، إن أقيمت...

 

 أمين أطول عمر

أحد, 08/11/2026 - 13:08