نجحت أقطاب المعارضة الموريتانية، في اختيار التوقيت المناسب لمهرجانها، والتوقيت في العمل السياسي لا يقل أهمية عن الحشد، ولا عن قوة الخطاب السياسي. لقد جاء توقيت المهرجان في لحظة سياسية واجتماعية تبدو مناسبة أكثر لتحريك الشارع واستعادة المبادرة.
بعد تصويت مجلس الأمن الدولي واعتباره مقترحَ الحكم الذاتي المغربي في الصحراء الغربية "الحلَّ الأكثر واقعية"، انقسم الرأي العام الموريتاني - كالعادة - بين مرحِّب بقوة بهذا القرار، ومندِّد به بشدة.
يبدو أن موريتانيا تقف اليوم على أعتاب مرحلة قد تؤسس ـ إذا ما استُثمرت بذكاء ووعي ـ لحرب حقيقية ضد الفساد والمفسدين، بعد عقود طويلة ظل فيها هذا الداء ينخر جسد الدولة والمجتمع دون رادع فعلي.
شكََّل صدور تقرير محكمة الحسابات ونشره للرأي العام فرصة حقيقية كان يمكن استثمارها لتسجيل هدف ثمين في مرمى الفساد، وأن يكون ذلك الهدف بداية لمعركة حقيقية وجادة ضد الفساد، وهي معركة طال انتظارها كثيرا.
لم يعد خافيا أن التفاهة في موريتانيا قد تحولت من مجرد ظاهرة هامشية إلى "تيار جارف" يكاد أن يجرف ويبتلع كل شيء يقع على طريقه، وذلك بعد أن بهر - أي تيار التفاهة الجارف - عقول الشباب، وخطف أبصارهم، وخلق لهم قدوات وهمية من "اللاشيء".
تمَّ مؤخرا تداول مقطع مصور على منصات التواصل الاجتماعي يظهر فيه من يحمل صفة "وزير المصالحة" في مالي، وهو يسيء إلى موريتانيا بشكل يثير الشفقة أكثر مما يثير الغضب؛ فحال هذا البلد الشقيق والجار معروف، ومن المثير للشفقة حقّا أن يسخر وزير في بلد على طريقه للانهيار والتفكك من بلد آمن ومستقر له علاقات حسنة مع الجميع.
نعيش في موريتانيا اليوم صراعا جديدا غير معلن بين خصمين غير متكافئين: التفاهة التي بدأت تكسب المعركة، وتحتل مواقع مؤثرة في صناعة الرأي العام، والجدية التي توشك أن تُهزم وتستسلم، ما لم تُدرك نخبها خطورة الموقف، فَتُعِدَّ أساليب جديدة لإدارة الصراع، واستعادة ما فُقد من مواقع استراتيجية.
في خضم الحرب المستمرة التي تخوضها بعض نخب التشظي ضد الدولة الوطنية، وفي ظل محاولات متكررة منها لتقويض ثقافة المواطنة، يعود الجدل العقيم حول الهويات الضيقة ليطفو على السطح من جديد. هذا الجدل، الذي ما كان له أن يُفتح أصلا، لو أن بوصلة النقاش وُجهت نحو القضايا الجوهرية التي تستحق فعلًا نقاشًا جادًا ومعمقًا في هذه المرحلة.