التَّهريجُ في زمن العطش

شكّل  الخوف من العطش هاجساً لدى سكان هذا الحيز الجغرافي، امتزجت فيه الأسطورة بالحقيقة والأمل باليأس، فالكثيرون منهم فقدوا حياتهم جرْياً وراء سراب يحسبونه من شِدة الظمأ ماءً في حقيقة تعكس إكراهات واقع يجمع بين صعوبة الظروف وقلة الوسائل.  

ويمكننا تقسيم زمن العطش في هذه البلاد إجرائياَ إلى ثلاثة أزمنة، زمن ما قبل الدولة الوطنية وكان السكان في هذه الفترة يبذلون جهدا مُضنيا في رحلة البحث عن الماء تستغرق  عشرة أيام أوأسبوعا في أحسن الحالات، مكمن الخطر في هذه المغامرة أن أصحابها قد يضلون طريقهم إلى الحي وقد يطول بهم البحث، ليجدوا الفئات الأكثر هشاشة قد فارق أفرادها الحياة عطشاً، وهكذا تعيد دورة المعاناة مع جلب الماء نفسها في كل لحظة من لحظات حياة بالغة الصعوبة. 

فترة ما بعد الاستقلال، وفيها استطاعت الدولة حفر الكثير من الٱبار وفي مناطق مختلفة، الأمر الذي ساعد مجموعات الرحل على  تحديد معالم خريطة الانتجاع التي كانت في الغالب  بجانب نقاط المياه، وما ميز هذه الفترة هو ظاهرة التكافل الاجتماعي التي مَنَحت الأسر الأقل إمكانيات حاجياتها من الماء، بطرق مريحة، ولم تغب كرامات الأولياء عن علاقة الرحل بالماء الشروب، فثنائية المياه العذبة والمالحة التي أرقت  الساكنة، انعكست بوضوح في (أدب المياه), من مناقب شعرية ونثرية تسرد الدور الخارق لدعوة الأولياء الصالحين في فك تلك المعضلة بصورة أقرب إلى  قصة ماء زمزم.

انقطاع المياه الأخير عن مدينة نواكشوط شكل الحقبة الزمنية الثالثة من العطش في موريتانيا، وأعاد إلى الأذهان واقعنا الأليم في فترات ما قبل الاستقلال، مع اختلاف جذري في الظروف المحيطة، فقد كانت السمة الأبرز في الأزمنة السابقة هي التضامن والإيثار، الأمر الذي جعل المواطن الأكثر فقرا يشعر أنه جزء من منظومة تحميه من العطش بكل المتاح لديها من وسائل، وهذا ما اتضح من خلال الأسباب المرئية وغيرها، فالجميع يساهم بما يملك من دواب  ودعوات مستجابة، ما يعني أن هناك ضميرا جمعيا يشعر بالأناة ذاتها.

إن المتتبع لخصائص زمن العطش اليوم يدرك بسهولة أن كل الخصال الحميدة قد اختفت، وصار التهريج السمة الأبرز التي من خلالها يتم تدوير مأساة بدت تفاصيلها ظاهرة في تقاسيم وجوه الفقراء قبل أوانيهم، صحيح أن هذه مسؤولية دولة، لكن الأزمات عادة ما تظهر فضائل المجتمعات في شكل تبرعات أوسقاية في مثل حالة كهذه تقوم بها مؤسسات المجتمع المدني وغيرها...

بيد أن العكس هو ما حدث تماما، فقد صاحب انقطاع المياه ظاهرة التهريج التي بدأتها المؤسسة الوصية على الماء من خلال حديث مديرها العام عن تطبيق "سقاية" الذي حمل الناس إليه براميلهم ليكتشفوا أن الأمر مجرد تهريج افتراضي استوحى فكرته من التطبيقات المنتشرة، ليكون نشازا لا في ظرفه الزمني فحسب، وإنما في عوالم التطبيقات التي يفترض بهاتسهيل الخدمة وليس العكس.

ظاهرة التهريج المؤسسي لم تقتصر على تطبيق سقاية فحسب، بل تكررت في زيارة فخامة الرئيس لموقع بني نعجي، حين بدأت هواتف المسؤولين عن المياه بالرنين بشكل مزعج، أثناء حديث فخامته إلى وزير المياه، وقد أظهرت لغة جسده استياءً من تصرفات مسؤولي الشركة الكبار، ليقتنع هو نفسه أن التهريج فيها يُعد روتيناَ في أوقات كهذه، ولعل هذا هو السر في إقالة مدير الشركة ومساعده.

بدا الصنف الٱخر من التهريج جليا من خلال ظاهرة التلقيح على طريقة زيدان، ففي الوقت الذي يعجز في سكان أحياء شعبية عن توفير لتر من الماء بسبب ظروفهم الصعبة يتبجح  البعض بملايين الأوقية على وسائل التواصل الاجتماعي ثمنا للتهريج في وقت تعجز فيه غالبية سكان نواكشوط عن شراء لتر من الماء. 

لم يغب دور الفاشينيستا عن التهريج في هذا الظرف الصعب، ففي حين كانت طوابير العطشى تتزاحم أمام الصهاريج بحثا عن قطرة ماء تنقذ صغارهم من موت محقق، كان الفانيشتيون يروجون لفيلم "باربي"، وكأنهم يعيشون في مدن راقية تتوفر فيها كل وسائل الحياة، لدرجة تجعل أصحابها يبحثون عن الترفيه الماجن فقط، وعلى غير العادة تخلى البرلمانيون والسياسيون، بشكل عام، عن تهريجهم المعتاد، ومارسوا أسلوبا جديدا يمكننا تسميته بالتهريج الصامت هربا من مسؤولياتهم اتجاه من انتخبوهم، ليدرك هذا الشعب المغلوب على أمره أن التهريج في زمن العطش أصبح أفضل الطرق لنسيان عوالمهم المزعجة.

أمم ولد عبد الله

 

ثلاثاء, 22/08/2023 - 10:59