هبوب الأفارقة.. الفاتحون الجدد!

جعلت الاتفاقية مع الاتحاد الأوروبي الهجرة والاستيطان موضوعا للنقاش، يحاول هذا المقال تبيان جوانب من أرضيته.

 

أزمة الفائض الديموغرافي

 

يولد في جمهورية مالي المجاورة، التي تعداد سكانها 22مليون نسمة ما يقارب 950 ألف طفل سنويا، في حين يولد في ألمانيا، التي تعداد سكانها 82 مليون نسمة ما يقارب750 ألف طفل سنويا. مع العلم أن الناتج القومي الخام لجمهورية مالي هو 21 مليار دولار وأن الناتج القومي الخام لألمانيا هو 4430مليار دولار. فكيف سيجد هذا العدد من الأطفال فرصا في اقتصاد مالي المتواضع، وكيف لا يطمحون أو يطمح شطر منهم إلى الهجرة إلى ألمانيا التي يحتاجهم اقتصادها وقودا، ويحتاجونه نضحا للجوع.

وإذا أخذنا دول جنوب الصحراء مجتمعة فإن العدد السنوي للمواليد يتجاوز 40 مليون طفل وهو ما يزيد على عشرة أضعاف المواليد في الاتحاد الأوروبي، بل ويفوق عدد المواليد في الصين والهند معا. ومن الناحية الاقتصادية فإن الناتج القومي لدول جنوب الصحراء مجتمعة أقل من نصف الناتج القومي لألمانيا وحدها. هذه الحقائق خلقت ضغطا ديموغرافيا، وأنتجت هبوبا بشريا نحو الشمال، يمر عبر كل الثقوب المتاحة.

البنية الاجتماعية والظروف الاقتصادية لبلدنا تعاني من الهجرة إليه،وهي هجرة قديمة متجددة، كانت منذ بداية القرن العشرين جنوبية وقد أصبحت جنوبية وشمالية بعد حالة الفشل التي اجتاحت غالبية بلدان العالم العربي، وتعاني أيضا من الهجرة منه، ومن الهجرة عبره التي تتحول في قسط منها إلى هجرة إليه، فلن تعبر هذه الأعداد من الفاتحين الجدد أرضا دون أن يتركوا بها منهم بقية، رجالا ونساء وأطفالا وأجنة.

 

البحيرة تتشكل خلف السد

 

عند عرقلة الجريانات تتشكل البحيرات خلف السدود، فإذا أعقنا هذا التيار البشري عند حدودنا الشمالية أو الغربية حماية لأوروبا جعلنا من بلادنا ساحة لبحيرة التجمع البشري للمهاجرين، وإذا وضعنا العراقيل على حدودنا الجنوبية والشرقية منعنا أن يصبح بلدنا متجمعا للمهاجرين فتجمعوا في بلدان المصدر، وهذا ما يجب أن نفعله وأن نطلب المساعدة لفعله حماية لبلدنا من الآثار السلبية لتجمع المهاجرين في بلد تسوس البطالة شبابه، وصيانة لعلاقاتنا بدول جنوب الصحراء،فإن تجمع مواطنيهم في بلدنا سيؤدي حتما إلى تكرار الاحتكاكات مع المواطنين الذين ينافسونهم في فرص العمل، وسيؤثر ذلك دون شك على علاقاتنا بدولهم.

 

لطفا بأبناء السبيل

 

اجتاح العرب المعمورة حملة رسالة، واجتاحها المغول يحملون الموت، واجتاحها الأوروبيون علوا في الأرض وفسادا، وهاهم الأفارقة يجتاحونها اليوم بسلاح الفائض الديموغرافي طلبا للعيش، فلطفا بأبناء السبيل، فلا ذنب لهؤلاء الشباب فيما جناه عليهم آباؤهم على لغة أبي العلاء. يمكن أن نحفظ مصالحنا دون أن نفقد أخلاقنا، فاذا القوم لا يعدون أمران ضيوفا أو عابري سبيل، أعانهم الله ويسر لهم.

قد نستخف بالقرارات التي يتخذها البسطاء في مساكنهم، لكنها في أحيان كثيرة هي التي تدير عجلة التاريخ، فقد تحول الأفارقة في أقل من قرن من شعوب هامشية ومهمشة تحت الاستعمار إلى فاتحين بسلاح الديمغرافيا، يركبون الموت على بواخرهم المتواضعة التي تشق عباب البحار وقودها شجاعة اليأس، فترعب وتربك.

لن يتوقف الأفارقة عن اجتياح المعمورة حتى يتوقفوا عن الإنجاب بالوتيرة الحالية، ولن يتوقفوا عن الإنجاب بالوتيرة الحالية حتى تتحسن مستوياتهم التعليمية، ولن تتحسن مستوياتهم التعليمية ما داموا ينجبون بهذه الوتيرة التي تجعل البنى التحتية التربوية لبلدانهم -ببعديها التأطيري والمادي- عاجزة عن استيعاب أبنائهم، فهي حلقة مفرغة أنتجت حالة اجتياح ستستمر لعقود كثيرة، ستجعل في نهاية المطاف أبناء جنوب الصحراء في بلدانهم وفي مستوطنات الفتح في أوروبا وشمال إفريقيا يشكلون ما يقارب نصف سكان المعمورة. هي إذن ليست ظاهرة عرضية، ويجب التعامل معها بحكمة تضمن المصالح وفي مقدمتها الاستقرار، وتحفظ الأخلاق، وذلك يقتضي احترام كرامة المهاجرين ومعاملتهم بمزيج متوازن من ثنائية الحزم والإخاء، ويقتضي سد منافذ الحدود الجنوبية والشرقية بإحكام.

 

وفق الله وأعان

د. م. شماد ولد مليل نافع   

 

سبت, 23/03/2024 - 20:37