
منذ أيام كلما فتحتُ موقع اليوتيوب، اقتَرحتْ عليّ الخوارزمياتُ الخاصةُ به مقابلاتٍ وأحاديثَ لموريتانيين يسردون فيها تجاربَهم الخاصة مع جبهة «البوليزاريو»، وكلها تجارب مؤلمة ومأساوية لشباب «بيظان» قادهم حماسُهم البريء، في خواتيم السبعينيات ومطالع الثمانينيات، إلى الالتحاق بـ«الجبهة»، رغم أنها كانت تقاتل وطنَهم قبل ذلك بسنوات قليلة، وسرعان ما زجّت بهم جميعاً في سجونها التي كانت عبارةً عن آبار محفورة في عمق الأرض، يملؤها العفنُ والحشرات والزواحف السامة، ولا يخرجون منها إلا لأخذ حصصهم من التعذيب اليومي. ومنهم مَن أمضى في تلك المأساة عشرةَ أعوام أو خمسة عشر عاماً، ومنهم مَن قضى تحت التعذيب والتجويع والمرض.
هكذا كافأت «البوليزاريو» المتحمسينَ لها ولشعاراتها «الثورية» ولخطاب «المظلومية الشعبية التحررية» لديها، كما جرّعتهم الكثيرَ من عبارات الخطاب الازدرائي التحقيري حيال المجتمع الموريتاني (أهل لگديمات).
لكن اليوتيوب لم يكتف بهذا، فقد اقترح عليَّ أيضاً مشاهدةَ خطابات وفعاليات مِن داخل مخيمات لحمادة وتيندوف تنبئ كلُّها عن ثلاث مؤشرات في غاية الوضوح والخطورة:
1- شكوى متزايدة من الحياة اللاإنسانية في مخيمات اللجوء وأوضاعها، السكنية والمعيشية والخدمية، البدائية البائسة، خاصة مع انفجار ثورة الاتصالات التي سمحت لسكان المخيمات أن يدركوا أنه لا مثيل على وجه الأرض للشقاء الذي يعانونه في تلك المخيمات البائسة.
2- شعور قوي بإفلاس «المسار الثوري المسلح» ووصوله إلى طريق مسدود، مع اكتشاف متأخر بأن خيارَ الاندماج مع موريتانيا وأكثر من نصف مساحة الصحراء الغربية كان خياراً عقلانياً، ولم يكن لمعطيات معادلة القوة أن تسمح بأكثر منه في حينه، أما الآن فلم يعد متاحاً البتة.
3- انفجار النعرات القبلية على نحو ينذر بوقوع حرب أهلية داخل المخيمات، بعد أن استخدمت «البوليساريو» المعطى القبلي ووظفته في الدعاية لإقامة «جمهورية ثورية» سرعان ما بدأت التناقضاتُ القبلية تنخرها من الداخل، وتعالت أصواتُ الاتهام بممارسة الزبونية القرابية على مستوى القيادة.
إن متابعةَ مآسي الموريتانيين الذين التحقوا بالبوليزاريو، حماساً لها وتعاطفاً معها، مآسٍ تُطِير النومَ مِن العيون وتجلب الأرقَ.. ولا تقلُِّ عنها إيلاماً متابعة «المأساة الصحراوية» نفسها!



.jpeg)

.jpeg)