
لم يبق مسؤول حكومي واحدٌ، وكل المسؤولين الحكوميين كانوا أعضاء في «الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي»، إلا وافتتح قسماً لمحو الأمية أو شارك في افتتاحه، ضمْن حملة إعلامية واسعة شاركت فيها الحكومةُ وأجهزتُها والحزبُ وفروعُه، وتنافس الجميعُ في تصدُّرِها، إظهاراً للالتزام بتوجيهات الرئيس وتأكيداً على الولاء المطلق له.
ثم جاءت أوامرٌ رسمية أخرى بإطلاق «حملة الكتاب»، فأصبح افتتاح المكتبات والترويج للكتب والتصوير معها هَمّاً أساسياً يتنافس فيه المسؤولون الحكوميون والحزبيون، إظهاراً كذلك للالتزام بتوجيهات الرئيس وتأكيداًِ على الولاء المطلق له.
وبعد إطلاق الدعوة إلى المشاركة في حملة «عودة الأطر»، لم يبق شخصٌ يشغل منصباً حكومياً أو يتطلع إلى التعيين في منصب حكومي إلا وعادَ إلى مضارب ذويه في الداخل، بعد قطيعة طويلة، مُظهِراً الاشتياقَ للأهل، ومُبدِياً الحرصَ على صلة الرحم وعلى استعادة القبيلة مكانتَها اللائقة، ومؤكِّداً على الالتزام بتوجيهات الرئيس على الولاء المطلق له.
لكن ماذا بقي من هذه السياسات والحملات الصاخبة في حينها، والتي شغلت الناسَ وملأت الدنيا بشعاراتها وضجيجها الإعلامي الواسع، وتنافس الجميعُ في مواكبتها والسير في ركابها؟
يكاد يقع الإجماع على أن سياسات محو الأمية لم تحرر شخصاً واحداً حتى من سجن الأمية الأبجدية، وأن «حملة الكتاب» لم تزد الناسَ إلا نفوراً من القراءة وابتعاداً عن الكتب، أما «عودة الأطر» فكانت باباً جديداً لعودة العصبيات القبيلة ولإذكاء النزاعات العشائرية ولتشريع استخدام المال العام في تمويل الصراعات المحلية وإعادة تأجيج ما خبا من نيرانها القديمة!
إن السياسات التنموية الصحيحة، والواعية والجادة، هي ما تترك لها أثراً باقياً ومفعولا مستديماً في واقع حياة الناس والوطن، كما ترفع مستوى وعي المجتمع وترتقي بمنسوب طموحاته وآماله.. أما سياسات تمضية الوقت وإشغال الفراغ بالفراغ فإن وُجِدَ لها أثر فهو محدود ومؤقت وعابر ولا يكاد يتجاوز لحظتَه. وهذا فقط لمن يتذكر ويتأمل ويعتبر، وليس لمن يرى في صورةٍ فحسبْ إنجازاً عظيماً وفتحاً مبيناً، حدَّ التولّه والتغزل والتشبيب!
محمد ولد المنى



.jpeg)

.jpeg)