
تنجح دول تحالف الساحل، لا سيما بوركينا فاسو ومالي، رغم ما تبدو عليه من هشاشة أمنية وضائقة اقتصادية ومعيشية حتى الآن، في إعادة إنتاج الوعد الأول وصياغة البيان الأول بكلمات جديدة كلما تقادم عهده، وتؤجل بحرفية لحظة المفاصلة الشعبية والحساب.. تُبقي هذه الدول الفورة الأولى والنشوة الأولى بالخلاص حية رغم مضي السنوات وتتابع العثرات. إنها دول لا تكل معالجة التحديات الأمنية للعتاد الروسي وما يرافقه من مدربين/ مقاتلين من فاغنر/ الفيلق الروسي، بل تبذل ضعف تلك الجهود، وفق هندسة احترافية، في الخطاب والخطابة والبلاغة والكلام..
ومالي قبل أن تكون دولة فيبرية، كما يريد عالمنا اليوم لكل البلدان أن تكون، أو قل بالأحرى جنوبها المتشبث بما بقي من أطياف الدولة والسلطة المركزية، سرديةٌ ماندينغية وملحمة سوندياكيتية تحتفظ بها الذاكرة، وينشدها آل دياباتي على إيقاع الكورا منذ ثمانية قرون.. وهي ألحان يترجمها باحترافية، في ظل التواري المزمن للجنرال آسيمي غويتا خلف الكمامات عن الأنظار، وزير الخارجية المفوه عبد الله ديوب في الخطاب السياسي والدراريع المزركشة ببذخ وبهاء.. وكانت للوزير الأول السابق شوغيل ميغا، هو الآخر، صولاته في هذا المضمار، قبل أن تستنزف الأيام والنياشين ما لديه من قدرة على الصبر والانتظار.
وليست بوركينا فاسو، رغم ما في الأمر من اضطراب ومفارقات، أكثر من وهج بقي عالقا في النفوس، نفوس شعب الموشي بالأساس، منذ أيام سانكارا، وقد تجلى في شخص الخطيب المتوثب إبراهيم تراوري.. والنيجر، وإن كان الماضي المهادن والتقدم في العمر لا يمنحان صاحبها عبد الرحمن تياني مساحة كبيرة من المناورة بالثورة والانشقاق، فإنه غمغم ذات مساء عصيب من مساءات نيامي، بعد أن لوحت دول الإكواس بالتدخل، أشياء عن إمبراطورية الصونغاي وعن الهاوصا وطوارق كل دنَّكْ، وما كان لهم من سابق في المقاومة والأمجاد، ثم أوكل المهمة لوزيره الأول محمن الأمين الزين وللعقيد أمادو عبد الرحمن اللذين أدياها بجدارة واقتدار.
ومن هذه الحقول الخطابية، وما نما على هوامشها من إفريقانيات وتحرريات عالموية ثالثة وتفكيكيات ما بعد كولونيالية ومؤامراتية وأصالة ساحلية، تمتح هذه الدول كلما ألمت بها الخطوب وتعثرت أحلام بسط سيطرة الدولة وتكثفت هجمات تنظيم الدولة وماسينا وأنصار الدين، أو أوقعت جبهة تحرير أزواد بالجيش وحلفائه من مقاتلي فاغنر كما حدث قبل حول في تن زواتين. أما الماضي الأسود لفرنسا في التدخل في هذه البلدان، وصيانة الاستقلال، فهما محور الخطاب السياسي في الساحل ومعين الشرعية المورود من هذه الأنظمة صباح مساء.. وعلى ضوء الاحتياجات المتكررة للشرعية والبقاء، فقد تتكرر كثيرا على المسامع أخبار إفشال المحاولات الانقلابية وطرد المسؤولين الأمميين، كما يحدث في بوركينا فاسو ومالي الآن، وكما يطرد منذ سنوات في هذه البلدان.



.jpeg)

.jpeg)