المجاعة في قطاع غزة.. هل العالم عاجز حقاً عن إنهائها.. أم لا يريد؟

يشهد قطاع غزة واحدة من أشد الأزمات الإنسانية قسوة في العصر الحديث، حيث تتصاعد مؤشرات المجاعة إلى مستويات خطيرة تهدد حياة أكثر من مليوني إنسان محاصرين منذ سنوات طويلة, ومع استمرار العدوان الإسرائيلي وفرض قيود خانقة على دخول الغذاء والدواء والماء والوقود، باتت صور الأطفال الجوعى، والأمهات الهزيلات اللواتي لا يجدن ما يقدمنه لأبنائهن، تجسّد كارثة إنسانية بكل المقاييس.

تعود جذور المجاعة في غزة إلى الحصار الإسرائيلي المفروض منذ عام 2007، والذي أدى إلى انهيار البنية الاقتصادية والإنتاجية في القطاع, ومع كل الحروب الخمسة التي شنها الكيان الصهيوني على قطاع غزة خلال العقدين الماضيين، تتعرض الأراضي الزراعية في القطاع رغم محدوديتها للتجريف وإتلاف  منتجاتها، والمصانع رغم بدائيتها للتخريب وتوقفانتاجها، والبنية التحتية (ماء, كهرباء, صرف صحي, اتصالات وغيرها) رغم تواضعها للانهيار, هذا الوضع جعل القطاع يعتمد بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية التي لا تصل إلا بقدر محدود، وتخضع لمزاجية الاحتلال وشروطه التعجيزية.

تشير تقارير مسؤولي الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الانسانية والهيئات الدولية ذات الصلة الى تفاقم الوضع الإنساني واستشراء الجوع في قطاع غزة المحاصر بما في ذلك التقريرالصادر الجمعة 22 اغسطس عن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي ومقره في روما والذي اكد "أن محافظة غزة - مدينة غزة - التي تغطي نحو 20% من قطاع غزة، تشهد مجاعة فعلية".

وتعليقاً على هذه التقرير المهم قال انطونيو غوتيريش الامين العام للامم المتحدة: "في الوقت الذي يبدو فيه أن الكلمات قد نفدت لوصف جحيم غزة أُضيف جحيم جديد هو المجاعة", وأضاف "هذا ليس لغزا بل كارثة من صنع الإنسان واتهام أخلاقي وفشل للبشرية نفسها, المجاعة لا تقتصر على الغذاء فحسب، بل هي انهيار مُتعمد للأنظمة الضرورية لبقاء الإنسان, الناس يتضورون جوعا, الأطفال يموتون, ومن يقع عليهم واجب التصرف يفشلون", وتابع قائلا: "بصفتها القوة المحتلة تقع على عاتق إسرائيل التزامات لا لبس فيها بموجب القانون الدولي، بما في ذلك واجب ضمان وصول الغذاء والإمدادات الطبية للسكان, لا يمكننا السماح باستمرار هذا الوضع دون عقاب, كفى أعذار., وقت العمل ليس غداً، بل الآن, نحتاج إلى وقف فوري لإطلاق النار، والإفراج الفوري عن جميع الرهائن، ووصولٍ إنساني كامل ودون قيود", واختتم الأمين العام للأمم المتحدة تصريحه مشدداً: "إنه لا يمكننا السماح باستمرار هذا الوضع من دون عقاب, المجاعة في غزة كارثة من صنع الانسان وان تجويع الناس لاغراض عسكرية هو جريمة حرب".

من جهته قال المفوّض العام وكالة الامم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، فيليب لازاريني: "شهور من التحذيرات لم تُجدِ نفعا, المجاعة اصبحت مؤكدة الآن في مدينة غزة, هذه مجاعة مُمنهجة من صنع الإنسان وتحديداً من صنع حكومة إسرائيل, هي النتيجة المباشرة لحظر الغذاء وغيره من الإمدادات الأساسية لأشهر، بما في ذلك من قِبل الأونروا", وأشار لازاريني إلى أنه "لا يزال من الممكن السيطرة على انتشار المجاعة من خلال وقف إطلاق النار، والسماح للمنظمات الإنسانية بالقيام بعملها وإيصال المساعدات, حان وقت الإرادة السياسية" وفقاً لما قاله مفوض عام الاونروا.

اضف الى ما سبق ما صرح به في جنيف الجمعة 22 اغسطس الجاري وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية توم فليتشر قائلاً "إن "المجاعة في غزة باتت حقيقة وامراً واقعاً وهي نتيجة مباشرة لإجراءات الحكومة الإسرائيلية"، واضاف فليتشر أن "الوفيات الناجمة عن التجويع في غزة قد تمثل جريمة حرب هي القتل العمد".

وفقاً للتقارير الصادرة عن عدة هيئات تابعة الامم المتحدة والمشار الى بعضها اعلاه "هناك أكثر من 80% من سكان غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي،, مئات الآلاف الذين يواجهون خطر المجاعة الفعلية من بينهم نحو 500 ألف شخص يواجهون جوعا "كارثيا" حسب تقارير خبراء الامم المتحدة, وفي الوقت ذاته تعاني المستشفيات المعدودة  المتبقية قيد الخدمة من نقص حاد في الأغذية العلاجية، فيما تنتشر حالات سوء التغذية الحاد بين الأطفال، وهي حالات ستؤدي بالاضافة إلى الوفاة الى إعاقات دائمة بين هؤلاء الاطفال إذا لم يتم التدخل العاجل وفقاً للتقارير.

لا يمكن النظر إلى المجاعة في غزة بوصفها أزمة إنسانية فحسب، بل هي نتيجة مباشرة لسياسات الاحتلال القمعية التي تستهدف إخضاع السكان وتجويعهم لكسر إرادتهم, هذا الواقع يثير أسئلة جوهرية حول مسؤولية المجتمع الدولي الذي يكتفي في الغالب ببيانات القلق والادانة وما شابه، دون اتخاذ خطوات حقيقية ملموسة ومؤثرة لوقف الانتهاكات ورفع الحصار ووقف الة القتل والدمار والسماح بإدخال آلاف الاطنان من المساعدات التي تنتظر سماح الجيش الصهوني لها بالدخول والتي تتواجد على الحدود مع قطاع غزة على متن طوابير طويلة من الشاحنات والتي يمنعها الصهاينة من الدخول الى داخل القطاع في سياسة تجويع متعمدة لحوالي 2.3 مليون فلسطيني كما كرر ذلك مرات عديدة كبار اعضاء حكومة اليمين الاشد تطرفاً في تاريخ الكيان.

استمرار هذا الوضع الكارثي يهدد ليس فقط حياة المدنيين، بل الاستقرار الإقليمي برمته, فالمجاعة تولّد الغضب والاحتقان، وتزيد من احتمالات الانفجار الاجتماعي والسياسي، وهو ما قد يفتح الباب أمام مزيد من العنف وعدم الاستقرار في المنطقة وهذا ما بدأت بوادرة في الظهورمؤخراً.

 

 

اخر الكلام:

إن استفحال المجاعة في قطاع غزة لم يعد مجرد قضية إنسانية محلية، بل هو جريمة حرب يقترفها جيش حكومة الكيان الصهيوني وفقاً لتقارير الامم المتحدة وشهادة خبراء دوليين وعلى رؤوس الاشهاد.

التجويع هو اقذر واحقر اساليب العقاب الجماعي ضد شعب معين, والهدف منه اما استهداف عدد محدود من شعب معين او مجتمع معين, مما سيؤودي على الارجح الى قتل كل الشعب جوعاً او شريحة كبيرة منه وخصوصاً الاطفال وكبار السن والمرضى الاقل قدرة على تحمل الجوع, واما يكون الهدف من سياسة التجويع الضغط على الشعب ككل لدفعه تحت وطاة الجوع لإنتهاج سلوكيات ما واتخاذ مواقف معينة والقيام بتحركات محددة وبالقطع تكون وفقاً لخطط مرتكب جريمة التجويع.  

حتى كتابة هذا المقال, تعدى عدد ضحايا هذه الجريمة المروعةالمئتين كلهم اطفال الى جانب ثمانية من كبار السن واصحاب امراض مزمنة. 

العالم فشل فشلاً مرعباً في مواجهة هذه الجريمة المروعة وكأنه مكبل بكل ما في الكرة الارضية من أصفاد, لدرجة ينتابني شعور احياناً انه ربما للعالم "ثلاثة ارباع الخاطر" كما يقال, وها هو مجلس الامن الهيئة الاهم عالمياً لحفظ الامن والسلم الدوليينيصدر بياناً رئاسياً يدعو لانهاء المجاعة في قطاع غزة بادخال المساعدات ووقف اطلاق النار وذلك بعدما منعت الولايات المتحدة المجلس من تبني قرار ملزم بهذا الخصوص, رغم موافقة جميع اعضاء المجلس الاربعة عشر الاخرين, علماً بأن مثل هذا البيان (غير ملزم), وبالطبع الكيان الصهيوني كعادته تجاهل البيانوهو الذي تجاهل ويتجاهل قرارات المجلس التي لها صفة الالزام... فما بالك ببيان غير ملزم....!!!!!.

الموقف الامريكي المؤيد لاستخدام اسرائيل المجاعة كسلاح ليس جديداً ولا غريباً, وهذا الموقف الذي يفتقر لادنى درجات الانسانية يستند على خلفية تاريخية أشارت اليها بإسهاب الدكتورة روزالين لابيير استاذة التاريخ في جامعة الينوي والباحثة في المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في مقالها المنشورعلى موقع كونسورتيوم نيوز في 13 اغسطس الجاري والذي افتتحته بقولها: :ان استخدام اسرائيل التجويع كسلاح حرب في غزة يكرر تاريخ الولايات المتحدة وكندا, حيث دمر المستوطنون المستعمرون قدرة السكان الاصليين اصحاب الارض الحقيقيين على الحصول على الغذاء بتعمد تدمير اراضيهم الزراعية وقتل حيواناتهم الاليفة ومنعهم من صيد الحيوانات البرية بقصد تعمد تجويعهم لاجبارهم على مغادرة اراضيهم كما تقول الدكنورة رزوالين التي تنتمي لقبيلة الاقدام السوداء (Black Feet) احدى قبائل الامركيين الاصليين (الذي يطلقون عليهم الهنود الحمر) التي تعرضت لهذه الممارسات البشعة ومات نحو 600 من افرادها جوعاً بين عامي 1833 و 1834 رغم ان زعيم القبيلة حينها (جدها لوالدتها) اشترى غذاءاً يكفي لكافة افراد القبيلة ودفع ثمنه نقداً بالكامل إلا ان المستعمرين منعوا وصول ذلك الغذاء للقبيلة كما تروي الكاتبة نقلاً عن من بقي حياً من اجدادها".

وذكرت لابير عدة امثلة على سياسة التجويع الممنهجة التي انتهجها المسؤولين الامريكيين الاوائل منذ عهد جورج واشنطناول رئيس امريكي, المقال مهم جداً أنصح بالاطلاع عليه على هذا الرابط:

https://consortiumnews.com/2025/08/13/starving-indigenous-peoples-then-now/

الواقع المرعب الذي يعيشه الاهل في قطاع غزة عبارة عن جرح مفتوح في ضمير الإنسانية, وبقاء هذا الواقع هو وصمة عار على جبين العالم بأسره، الذي يقف متفرجًا او عاجزاً على مأساة شعب محاصر يواجه الموت على مدار الساعة قصفأ وجوعاً ورعباًوقهراً, المطلوب فوراً تحرك عاجل وفعّال وحقيقي يتناسب مع حجم الكارثة التي يعيشها الاهل في القطاع المنكوب بما يضمن سرعة وانسيابية إدخال المساعدات بشكل آمن ودون قيود، ورفع الحصار بشكل كامل، وتمكين سكان غزة من العيش بكرامة كبقية شعوب العالم.

 

د. سمير الددا

[email protected]

جمعة, 29/08/2025 - 09:52