المجال الحيوي الموريتاني في مواجهة الفوضى القادمة من الشرق

أصدر مركز أودغست للدراسات الإقليمية، ورقة تحليلية جديدة تحت عنوان: "المجال الحيوي الموريتاني في مواجهة الفوضى القادمة من الشرق"، تتناول بالبحث والتحليل طبيعة التحديات المتنامية في الغرب المالي وما تطرحه من رهانات مباشرة على الأمن والاستقرار في موريتانيا. وتأتي هذه الورقة في سياق تصاعد حدة التحولات الميدانية والسياسية في مالي، بما في ذلك انسحاب الجيش المالي عن مناطق تماس حدودية وتصاعد نفوذ الحركات المسلحة وإجراءات تضييق إداري استهدفت أنشطة التجار والرعاة الموريتانيين.
تؤصل الورقة في تمهيدها لمفهوم "المجال الحيوي" بوصفه شبكة ترابط تاريخي واجتماعي واقتصادي وإطارا سياديا لحماية الأطراف من ارتداد الفوضى وليس نزوعا نحو الطموح التوسعي. وتظهر أن انتقال ثقل الصراع إلى الغرب المالي - ولا سيما محوري خاي ونيور – قد حول المعابر الحدودية إلى مسرح لسياسات "الخنق الموضعي"، حيث تتقاطع أنشطة الاقتصاد الشرعي مع التهريب وشبكات الظل، في ظل انكماش نفوذ الدولة المالية وتنامي أدوار الفاعلين الهجينين.
وتقف الورقة عند ديناميكيات القرار في باماكو، مبينة أن السلطة الانتقالية تلجأ إلى ما تسميه "إدارة التوتر" عبر أدوات ضغط منخفضة الكلفة لكنها عالية الأثر مثل منع الانتجاع وإغلاق المتاجر والتصعيد الرمزي مع الجوار، بما يسمح لها بتحقيق مكاسب داخلية وتوليد رصيد تفاوضي خارجي. غير أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطر جدية قد تقود إلى فقدان السيطرة على وتيرة التصعيد مما يجعل المجال الحيوي الموريتاني الساحة الطبيعية لارتداداتها. ومن هنا، ترسم الورقة صورة دقيقة لمصالح موريتانيا الحيوية في أربعة مستويات: انتظام التجارة، استدامة الانتجاع الموسمي، تماسك النسيج الاجتماعي-الرمزي في الأطراف، والحفاظ على صورة الحياد النشط في السياسة الخارجية.
وتستشرف الورقة ثلاثة سيناريوهات محتملة على المدى القريب: استمرار "الاحتكاك المضبوط"، أو الانزلاق نحو "دوامة التصعيد"، أو الوصول إلى "تهدئة انتقائية" عبر ترتيبات وظيفية جزئية. وتخلص إلى أن الأرجح هو تذبذب بين السيناريو الأول والثالث، مع بقاء احتمال التصعيد قائما.
في الختام، تقدم الورقة خيارات عملية لموريتانيا في إطار ما تسميه "الحياد النشط المحصن": إدارة داخلية مرنة للأطراف تحد من جاذبية اقتصاد الظل، دبلوماسية وظيفية تحول الخلافات إلى ملفات إجرائية قابلة للتفاوض، واقتصاد معابر متنوع يبدد هشاشة الاعتماد على عقدة واحدة. وتؤكد أن قوة هذا التموضع تكمن في وضوح قواعده وقابليتها للقياس والعودة، بما يسمح لموريتانيا بحماية مجالها الحيوي من دون انزلاق إلى التصعيد، مع الحفاظ على رصيدها الاستراتيجي كدولة محايدة نشطة قادرة على إدارة التوازنات الإقليمية بحكمة وفعالية.

 

تنبيه: ستنشر الورقة لاحقا في العدد القادم من نشرة "أوراق استراتيجية" التي يصدرها مركز أودغست للدراسات الإقليمية.

جمعة, 05/09/2025 - 18:03